وحيدة بلا والديها.. لم تستطع"عائشة" مصارعة "الورم المفاجئ"

غزة/ يحيى اليعقوبي:

"عائشة اللولو" طفلة لا يتجاوز عمرها خمس سنوات ونصف السنة؛ خرجت من قطاع غزة وحيدة بدون والديها أو أي من أفراد أسرتها؛ فجميعهم نالوا من الاحتلال الإسرائيلي "الرفض الأمني"، كل ما كان باستطاعة أبويها فعله هو مرافقتها حتى حاجز بيت حانون (إيريز) شمالي القطاع، هناك وقفت أمها ترقب ابنتها المريضة تذهب بمفردها مع سيدة لا تعرفها، تطوعت لمرافقتها، يبكي قلبها قهرا وحزنا، لم تشفع دموعها أمام قرار الرفض.

غابت عائشة وذهبت بواسطة سيارة "أجرة" لمستشفى "المقاصد" في القدس المحتلة، ومن حرمان عدم مرافقة الوالدين، حرمت من الذهاب بإسعاف للمشفى؛ ظلت فيه تصارع الألم والمرض وحيدة، بعيداً عن حضن يمنحها الدفء، والقوة، فلا يوجد شيء يعوض غياب الأم؛ تتوق نفسها إلى حضن والدتها؛ إلى إشراقة شمس تلمسها في ذلك الحضن، كي تغفو فيه مطمئنة، في كل مرة تبحث في عيون من حولها على أمل أن تدخل والدتها من الباب، ولكنها لم تجد إلا أطباء وممرضين لا تعرفهم، حتى توفيت "عائشة" الأربعاء الماضي وهي تصارع المرض، ووريت الثرى وهي تشكو ظلم الاحتلال، الذي قتلها قبل المرض.

في الأول من إبريل/ نيسان الماضيكانت "عائشة" التي تسكن بمخيم البريج وسط قطاع غزة سعيدة بإتمام حفظها جزء "عم" من القرآن الكريم، بعد أنأعلنت إدارة "روضتها" عن إقامة حفل خاص بتكريم الطلبة الحافظين لأجزاء من القرآن، انتظرت مرور الوقت بفارغ الصبر كي تحضر حفل التكريم.

مرض مفاجئ

بشكل مفاجئ باغتها ألم وصداع، ووجع، وتقيؤ مستمر، لم تستطع "العيادات الخاصة" تشخيص حالتها، فذهب بها والداها إلى مستشفى "شهداء الأقصى" وسط القطاع.

تقول والدتها منى عوض لصحيفة "فلسطين" وهي تفتح جرح قلبها من جديد: "شعرنا بشيء غير طبيعي من شدة الألم الذي كانت تشعر به، قمنا بالتقاط صورة "CT" لها، أظهرت وجود ورم بالدماغ ومياه بالرأس، ونقلت فجرًا بواسطة الإسعاف لمستشفى الشفاء بمدينة غزة".

في "الشفاء" أجرى لها الأطباء عملية "طارئة"، على إثرها تحسنت حالتها قليلا وظلت تحت الرعاية، صوت والدتها بدا كجمرة أذابها الفراق المفاجئ: "على مدار خمسة أيام بعد العملية كنا يوميًا نحاول إخراجها بشكل عاجل لمستشفى "المقاصد" بالقدس؛ فرفض الاحتلال أن نرافقها، ثم باليوم التالي قدمنا طلب مرافقتها لعمها وعمتها ومن ثم جدها لكنه رفضهم جميعهم، حتى وافق على مرافقة سيدة من المعارف لابنتي".

إنقاذ حياة "عائشة" كان هم أبويها؛ وحينما تم إيصالها إلى حاجز بيت حانون، عادوا ونار الخوف تجتاح قلب أمها، لم تنفع دموع عائشة في تغيير قرار الاحتلال، بكيت هذه الطفلة وهي تلتف لوالديها لا أحد شعر بوجعها وهي تردد "بدي أمي".

مرت ثلاثة أيام؛ تفتح عائشة عينيها، زال أثر إبرة "البنج" بعد انتهاء العملية التي وصفها أطباء مستشفى المقاصد بـ"الناجحة"، ترقد وحيدة على السرير الطبي، ابتسمت لمرافقتها التي وثقت تلك اللحظة بالتقاط صورة بهاتفها، أوقفت الزمن عند تلك الابتسامة الحزينة في آن واحد، ابتسامة تخفي وجع طفلة هي بحاجة لوالدتها، لحضن، يكفي أن تقبلها كي تعطيها طاقة لمواصلة صراعها مع المرض، أن تضمها بين ذراعيها، كل هذا افتقدته.

حتى صوت والديها بأول مكالمة هاتفية معها بعد العملية زاد حنينها، تريدهما بجانبها، لعل ذاك الوجود – الذي تمنته – يطفئ نار الحنين والشوق؛ "بدي ألبس فستان العيد وأحط مناكير" ببراءة قالتها لأبيها في نهاية تلك المكالمة، ووعدها بشراء أجمل فستان لها حينما تعود معافاة، ظلت "عائشة" عشرة أيام تحت العناية الطبية، في كل يوم كانت الحالة النفسية في غياب الأم ينعكس على وضعها الصحي.

عربة التكتك

جسد ممدّد على سرير المشفى، ينبض فقط بما تبقى من الحياة، لا تأكل ولا تشرب، طوال الوقت تبكي تريد والديها، قامت إدارة المشفى –ونظرًا لتدهور حالة الطفلة– بتحويلها لمستشفى "المطّلع" بالقدس، بقيت الحالة في تدهور وأصبحت حياتها مهددة، دخلت في غيبوبة، فقرر المشفى إعادتها لغزة.

تواصل والدتها والحزن يكسو صوتها: "طلبنا إعادتها بسيارة إسعاف، لكن خيرنا بين أن ننتظر لشهر آخر لإعادتها، أو ندفع تكلفة 1500 شيكل لإحضارها بإسعاف على نفقتنا وهو ما لم نملكه، وكانت حالتها حرجة فعادت بسيارة أجرة، ونقلت بين بوابتي حاجز (إيريز) بواسطة عربة "تكتك".

على بوابة الحاجز (من الجانب الفلسطيني) وقفت أمها وأبوها ينتظران قدومها، لكن كان المشهد أصعب مما توقعنا، لا تنسى الأم المكلومة تلك اللحظة: "لم أتوقع رؤيتها بتلك الحالة كنت أتلهف لرؤيتها، حملتها بجسدها المنهك الهزيل بلا أي حركة، آلمني رؤيتها تأتي بعربة "تكتك"، كنت أتمنى إحضارها بإسعاف، فاصطحبناها لمستشفى "الرنتيسي" للأطفال بغزة وفي اليوم الأول رفضوا إدخالها، لعدم وجود طلب تحويل من مستشفى المطلع فباتت ليلتها في منزلنا".

في تلك الليلة لم تنم والدتها خوفا أن يحدث لـ"عائشة" مكروه، اكتوت ببطء مرور الوقت عليها، في اليوم التالي أدخلت لمستشفى الرنتيسي، احتست جرعة من صمت؛ توقفت برهة عن الكلام ثم أضافت: "حاول الأطباء التدخل بـ"القسطرة" والعلاج الطبيعي والرعاية لكن الحالة الطبية كانت متدهورة، مكثت عدة أيام لا نسمع إلا نبضات قلبها، حتى فارقت الحياة الأربعاء الماضي".

قبل أن تذهب عائشةللقدس، أحضر لها أقاربها هدايا وألعابًا، وأخذت عهدا طفوليا من والدتها عندحاجز بيت حانون: "خبولي الألعاب بس أرجع بلعب فيهم"، رحلت عائشة وبقيت الألعاب تنتظر عودتها التي لن تعود فيها إلا كذكرى، وطيف يزور والديها في منامهما، تحرر والدتها دموعها، حرقة على فراق ابنتها يقطر الحزن من صوتها: "كنت أتمنى مرافقتها، كان قلبي يتقطع عليها وأنا أعرف حالتها ولا استطيع فعل أي شيء (..) هذه عنصرية والاحتلال تعمد تنغيص حياتنا دون أي شفقة أو رحمة أو إنسانية".