وفي الحب تربية

صورة أرشيفية
خديجة طلال القديري

مهما اختلفت أبجديات الحروف من بقعة إلى أخرى، ولغات العالم من عالم إلى آخر؛ يبقَ للحب أبجديته الخاصة به ولغته التي تزهر بها القلوب وتنير بها العقول وتطمئن إليها الأرواح، وتشعر بالأمن والأمان في حضرة المحبوب لتسكن إليه، وتتطبع بطبعه، وتربى على يديه وبأحضانه، فالحب تربية، والتربية حب، يبدأ ببسمة ليصل إلى ضمة، فبسمة الحب هي البداية، ففي البسمة صدقة كما قال رسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم): "تبسمك في وجه أخيك صدقة"، فما بالكم -أيها الأهل- لو كانت الصدقة على أقرب الناس إلى قلوبكم، وهم أطفالكم الذين يسيرون باتجاه طريقهم معتمدين على تضاريس وجوهكم؟

أطفالكم لا يدركون تلك الحوادث التي تركت أحداثها معالم بؤس على وجوهكم، بل كل ما يثقون به هو أنكم عالمهم الباسم الأكبر، أما في كلمة الحب التي نقولها لأطفالنا فحماية لهم من المخاوف والعدوانية والانطواء وعدم الثقة بالنفس، لذلك يجب أن تحمل كلماتنا إليهم الأمل والثقة والتشجيع والاحترام، خالية من العنف اللفظي والاستهزاء والسخرية.

فقد أثبتت دراسة أن الفرد إلى أن يصل إلى سن المراهقة يكون قد سمع ما لا يقل عن ستة عشر ألف كلمة سيئة، ولكنه لا يسمع إلا بضع مئات من كلماتٍ حسنة، ما ينتج عن ذلك شخصية عدوانية أو متبلدة المشاعر تميل للسلوكيات العدوانية أو الانطواء والعزلة، عزلة ربما تحرمكم وتحرمهم التمتع بلقمة الحب التي يجتمع لأجلها أطفالكم حولكم تاركين الشاشات الإلكترونية وزواياهم الانعزالية وعالمهم الصغير ليتمتعوا بها من بين أصابعكم التي كدت وتعبت من أجل إسعادهم، حريصين على الجلوس إلى جواركم، منتظرين هذه اللقمة توضع داخل فمهم، فإن خجل أحد أبنائك المراهقين أن تضعها في فمه فضعها في الصحن الذي أمامه ناظرًا إليه نظرة الحب بجعل عينيك في عينيه مع ابتسامة خفيفة، وتمتم بصوتٍ غير مسموع بكلمة: "أحبك يا ولدي"، فالنظرة وهذي الطريقة لهما أثر ونتائج غير عادية، فكم من نظرة بنت في داخل القلوب ممالك عشق تحيط بأرواحنا كدثار الحب الذي تمنحونه لأطفالكم قبيل دخولهم في مرحلة اللاوعي!

عندما تقتربون منهم وتتحسسون جبينهم وتقبلونهم وهم في فراش نومهم، ففي هذه المرحلة يكون الطفل بين اليقظة والمنام؛ فحينها سيشعر بك في مشهد سيترسخ في عقله، وعندما يصحون في الغد سيتذكرون أن أبويهم قد أتيا بالأمس إليهم بكل رحمة، هكذا ستقرب المسافة بين الوالدين وأطفالهما.

يجب أن تكونوا قريبين منهم بأجسادكم وقلوبكم، بلمسة الحب التي لمسناها بمعاملة نبينا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)، إذ كان يلصق ركبتيه بركبتي محدثه، وكان يضع يديه على فخذي محدثه ويقبل عليه بكله.

وقد ثبت الآن علميًّا ونفسيًّا أن مجرد اللمس يجعل الإحساس بالود ودفء العلاقة يرتفع إلى أعلى الدرجات، فعليكم في أثناء حديثكم إلى إناثكم أن تربتوا على أكتافهن بحب وحنان وتقبلوا أيديهن، أما ذكوركم فاربتُوا على المنطقة التي فوق الركبة مباشرة، ويفضل أن يضع الوالدان رأس أطفالهما على كتفهما ليشعروا بالأمن والأمان، مقبلين إياهم قبلة الحب التي امتلأت رحمة.

عندما رأى الأقرع بن حابس النبي (صلى الله عليه وسلم) يقبل الحسن والحسين قال: "أتقبلون صبيانكم؟!، والله إن لي عشرة من الولد ما قبلتُ واحدًا منهم"، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "أوَ أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟".

لا تبخلوا –أعزائي- عن أولادكم وأنفسكم بضمة الحب، فالحاجة إلى الضمة كالحاجة إلى الطعام والشراب والهواء، مهما أخذتَ منه فستظل محتاجًا.