​وعد بلفور.. السيف القذر في خاصرة الإنسانية

مصطفى أبو السعود
جمعة ٠٣ ١١ / ٢٠١٧

عزيزي اللورد/ روتشيلد: يسرني جدًا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي، الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود الصهيونية، وقد عُرض على الوزارة، وأقرته كما يلي: إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جليًا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يغير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى".

ما سبق هو نص الوعد الذي ولد في يوم 2_11_1917في بريطانيا بعد رحلة حمل وتكوين استمرت لسنوات، وهو من أشهر وأقذر النصوص في التاريخ، والذي دخل مانحه (آرثر جيمس بلفور) وزير خارجية بريطانيا في الفترة (1916 _ 1919) التاريخ من أسوأ أبوابه وأصبح من أشهر اللصوص في التاريخ.

لا أتخيل أحداً في العالم لم يسمع بهذا الوعد أو يعرفه، لأن تأثيره بلغ الآفاق حيث منح ما لا يملك لمن لا يستحق، وكانت نتيجته ولادة كيان (إسرائيل) المسخ، ونفي أهل الأرض بعد أن اقتلعوا الشجر ودمروا الحجر وشردوا البشر.

والمتأمل في المسيرة الزمنية ما بين ولادة وعد بلفور 1917 إلى يومنا هذا 2017 يجدها مسيرة دموية وعنصرية بامتياز، حيث التقتيل والطرد والعنف بشكلٍ وحشيٍ على أصحاب الأرض الأصليين، وحرق الأخضر واليابس وما زال الأمر يشتد قساوة.

ومع مرور مائة عام على ولادة النص القذر بدأ بعض العرب يطالبون بريطانيا بالاعتذار عن إنشاء دولة الاحتلال، فماذا كان جواب قوم بلفور إلا أن قالوا: إن وعد بلفور هو بيان تاريخي، وأعربوا عن "افتخارهم" بتأسيس دولة (إسرائيل) ورفضوا الاعتذار، وبأن حكومة المملكة المتحدة لا تنوى الاعتذار عنه، وما أكدته رئيسة وزراء بريطانيا أنها ستحتفل بمناسبة مئوية وعد بلفور.

إن الحكم على هذا النص يستدعي قراءة المشهد السياسي آنذاك والوقوف على الخلفيات التي دفعت بريطانيا

فمن هنا أطرح سؤالاً، ماذا لو قدمت بريطانيا اعتذارها عن وعد بلفور؟

هل ستختفي (إسرائيل) من الوجود ويتم تعويض الشعب الفلسطيني عن الخسائر النفسية والمادية التي لحقت به منذ ولادة الوعد؟

هل ستعمل بريطانيا على بناء الدولة الفلسطينية بالشكل الذي يعبر عن ندمها وأسفها على منحها الوعد لليهود؟

الإجابة هي: من يقرأ التاريخ يعرف أن الحقوق لم ترجع إلى أهلها إلا ببذل الكفاح بشكل عام وخاصة العسكري لأنه مؤلم للعدو ومكلف، أما التوسل فلا يسمن ولا يغني من جوع، وهو بضاعة المفلسين، وشخصياً، لا أظن أن تقديم الاعتذار هو أمرٌ هينٌ على بريطانيا الدولة الوحيدة التي ليس لها عيد استقلال، لأنها ببساطة كانت تبسط نفوذها على كل البلاد، وسميت آنذاك المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، خاصة أن العالم العربي والإسلامي حالياً قد فقد كل مقومات القوة الضاغطة التي يمكن استثمارها للضغط من خلالها على بريطانيا لتقديم الاعتذار.

مواضيع متعلقة: