إقرأ المزيد


تونس الأقرب إلى فلسطين

تامر الشريف
أحد ١٨ ١٢ / ٢٠١٦

ظلت فلسطين على الدوام قِبلة الشباب العربي ملهمة الأحرار في هذا العالم لما تحظى به من مكانة وقداسة وتاريخ؛ ولأنها ما زالت تعيش أطول احتلال في التاريخ الحديث، ومنذ نكبتها عام 1948 استشهد واعتقل وجرح مئات الأحرار العرب والمسلمين في طريقهم نحوها ملبين نداء الواجب، بعضهم انخرط في مجموعات فدائية منظّمة، وبعضهم نفذ عمليات فردية بما استطاع.

آخر شهداء معركة التحرير والإعداد المتواصلة الشهيد القسامي محمد الزواري من تونس الشقيقة التي أحبت فلسطين كما لم يحبها أحد من قبل، حباً كبيراً ترجمته في أكثر من ميدان سياسي وإعلامي وشعبي، وجاءت دماء الزواري كإثبات حب وتضامن ومشاركة من نوع آخر.

فبفضل هذا الشهيد حلقت طائرات تونسية لأول مرة في سماء فلسطين المحتلة، وجابت أجواء الوطن بشراكة فلسطينية قسامية لم نعهدها من قبل، لتثبت أن عقول الشباب العربي ليست عاجزة، وأن المواهب العربية غير مقتصرة على الغناء والفن والتهريج، وأن غياب الحاضنة لهذه العقول وتركيزها في قضايا هامشية كان عن عمد, حال دون أن تتجه الوجهة الصحيحة.

لم يكن ما قدمه الشهيد التونسي وليد اللحظة، فهو بلا شك نتاج مناشدات ومطالبات دائمة لم يكف عنها قادة حماس؛ فلطالما حذروا من خطورة طائرات الاستطلاع بدون طيار سلاح الصهاينة الناجع في اصطياد قادة المقاومة وعناصرها، فكانت الاستجابة أقوى وأفضل مما كان متوقعاً ومأمولاً، ليس بمواجهة هذه الطائرات وإسقاطها بل بتصنيع طائرات مشابهة تهدد أمن الكيان الصهيوني الذي تباهى على الدوام بأسراب طائراته وبتكنولوجيا زعم دوماً أنها حكر له.

تفاخر الإعلام الصهيوني باغتيال الشهيد الزواري دون أن يصدر أي بيان رسمي كما هو متوقع ومعتاد ضمن سياسة الغموض التي يتبعهاالاحتلال في هكذا عمليات، في مقابل نعي قسامي سريع للشهيد يحمل العديد من الدلالات، وبين عملية الاغتيال و نعي القسام لهذا القائد القسامي التونسي كان من الأهمية الوقوف على عدة نقاط من وحي الاغتيال والنعي:

  • أعاد الشهيد التونسي محمد الزواري التأكيد على أن فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم كما يريد البعض، وأنها مازالت تسكن قلب كل عربي مسلم غيور، وتلهمه ابداعاً، وتدفعه للعمل من أجلها بما يستطيع.
  • أكدت القسام بعد نعيه للزواري أن الانخراط في صفوفها مفتوح لكل من أراد أن يخدم قضية الأمة المركزية، ويقدم للمقاومة ما يرفع شأنها، ويطور من قدراتها.
  • لم يتوقع أحد أن يسارع القسام بتبني الشهيد الزواري بهذه السرعة بسبب طبيعة المشهد العربي، والابتعاد عن شبهة عمل المقاومة من خارج فلسطين أو تدخلها في شؤون الغير، ولكن للقسام حساباته الخاصة، حيث أراد الاحتفاء بالزواري وبدوره في تطوير امكانات الكتائب التي قلبت المعادلة في الحرب الأخيرة، بل أرادت تكريمه كأول تونسي ينخرط في القسام بما يمكن أن يشكّل إلهاماً لغيره من الشباب العربي للعمل من أجل فلسطين.
  • جاء الاعلان عن استشهاد الزواري ودوره مع كتائب القسام في أحلك وقت تعيشه الأمة انشغل شبابها عن فلسطين وانصرفوا إلى قضايا ثانوية، وأهدرت طاقاتهم في حروب وصراعات داخلية، وأريقت دماؤهم في معارك جانبية، فصحح بدمائه البوصلة والمسار والعمل بما يحقق الخير قائلاً: فلسطين دوماً قبلتنا.
  • أقام الشهيد الحجة على بعض الذين يخوضون بدماء اخوانهم، ويستمتعون بتدمير حضارتهم وارتكاب المجازر مدعين أنها خطوات ضرورية في طريق تحرير القدس، فقد أثبت الشهيد الزواري أن تونس أقرب للقدس من عواصم عربية تشرف عليها مباشرة.
  • وصول الموساد إلى الشهيد الزواري بعد هذه السنوات الطويلة من العمل بسرية لتطوير قدرات المقاومة وفتح آفاق جديدة لها يعني أن الاحتلال لا يكل ولا يمل لضرب المقاومة ومن ساعدها في الداخل والخارج، وأن صراع الأدمغة معه مستمر وله ميادينه.
  • نجاح الموساد بالوصول إلى القسامي التونسي يوجب أخذ الحذر والانتباه أكثر خاصة وأن مواقع التواصل والاتصالات الحديثة مراقبة وهي ملك حلفائه ويشرف عليها مباشرة.
  • أزالت وسائل التواصل والتكنولوجيا الحديثة الحدود والقيود التي كانت تحول دون أن يعمل العربي من أجل فلسطين من بلده، ولم تعد الاعذار عائقاً أمامه حتى وإن لم تطأ قدماه فلسطين، ولم يعد للسؤال الدائم من كل عربي خارج فلسطين ماذا بوسعي أن أعمل وأقدم أي وجود.
  • أثبت الشهيد الزواري أن العمل من أجل فلسطين لم يعد بحمل السلاح وتنفيذ عمليات فدائية داخلها، فيكفي لهذه العقول الابداعية العربية الشابة أن تعين المقاومة في تطوير قدراتها وامكاناتها وتحسن من نوعية عملها.

كان من الممكن أن تتكتم على مسئوليتها ولكنها وجدت في الإعلان فائدة أعظم من كتمان الخبر, في وقت تحاول كل جهة النأي بنفسها عن التدخل في شئون عربية ولكنها تبقى القضية الفلسطينية الملهمة والجامعة لكل العرب والمسلمين .

الطائرات التي حلقت في فلسطين المحتلة عام 48 كانت بأيد عربية وعقول قسامية رغم أن المخازن العربية تمتلئ بأحدث انواع الاسلحة ، ورغم أن الميزانيات الموجهة للسلاح والطائرات هي الأكثر , إلا انها لم توجه يوما الى القدس أو على الاقل المقاومة تستثمرها, وتستفيد من عقول وخبرات القائمين عليها.