خبر عاجل

إقرأ المزيد


تقرير مراقب الدولة ونجاحات القسام في المواجهة الأخيرة

علاء الريماوي
سبت ٢٨ ٠١ / ٢٠١٧

هزت المعطيات التي سربت عن تقرير مراقب الدولة عن حرب غزة الأخيرة الصورة النمطية للمنظومة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وأظهرت بوضوح العوار الذي شابها من الجانب المهني، والعجز في مجاراة المقاومة الفلسطينية من الناحية العملياتية والفيزيائية.

الحديث هذا ليس فلسطينيًّا، بل أكده ما سرب من معطيات وصفت بالأخطر في تقرير مراقب الدولة، وارتفعت في مستوياتها عما استنتجته لجان التحقيق في حروب الكيان العبري بلبنان، والحرب مع مصر وسوريا.

مواطن الخلل التي وثقها التسريب تعرضت إلى جملة ملفات مهمة، منها:

أولًا: الفشل الاستخباري: كشفت ظاهرة الأنفاق عوار المنظومة الأمنية الصهيونية، وضعف حركتها ورصدها للمقاومة الفلسطينية، إذ تبين أن المعلومات المتوافرة عن امتداد الأنفاق وعددها تساوي صفرًا، مع أن حجم العمل والترسانة المستخدمة والآليات للنقل لم تكن قليلة، لكن قدرة التضليل التي استخدمتها القسام والبيئة التي رافقت العمل وضعتا الاستخبارات العسكرية، و(شاباك)، وتقنيات المراقبة في أزمة فشل لم تسجل عليها منذ تأسيسها، الأمر الذي ورط (كابينت) والمنظومة السياسية الصهيونية.

ثانيًا: الفشل العملياتي: سجلت القسام وفصائل المقاومة خلال المعركة الأخيرة ما يعرف بالصدمة للمنظومة العسكرية، بعد قيامها بجملة عمليات ما وراء الخطوط باستخدام الأنفاق وغيرها، ثم نجاحها في الاستحكام على المناطق الحدودية، الأمر الذي جعل القيادة السياسية للاحتلال تحجم عن قرارات التوسع في الحرب برًّا، وهذا كان واضحًا من جلسة التصويت التي عقدت بـ(كنيست) في اليوم العشرين للحرب، ما وضع الجيش تحت نيران المقاومة الفلسطينية.

ثالثًا: ضعف الثقة بين المؤسسات العسكرية المختلفة: لم تكن الهرمية الإدارية لانسياب المعلومات بين المؤسسات الأمنية المختلفة مهنية، الأمر الذي ورط الجيش ميدانيًّا في أزمات كبيرة، منها حادثة الشجاعية، من ناحية تقدير قوة المقاومة في مكان تحرك الجيش، الأمر الذي تسبب بحسب التقديرات العسكرية الإسرائيلية بكارثة، كادت تفضي إلى أسر عشرات الجنود وقتلهم، الأمر الذي كان سيحقق للمقاومة ضربة من شأنها التأثير على صورة الجيش في العالم.

رابعًا: (كابينت) وغيابه عن المعركة: يشير ما سرب من التقرير إلى عجز المؤسسة السياسية من إدارة عمل (كابينت)، فالمعلومة كانت تنحصر في يد نتنياهو ويعالون، وطريقة اتخاذ القرار لم تكن إستراتيجية، الأمر الذي جعل صورة المؤسسة ضعيفة، بل حدث أن سرب الضعف في أثناء المعركة، الأمر الذي أربك قدرة الحكومة على إشهار أهدافها، وحركتها، واستغلال الوقت لتحقيق ضربة قوية للمقاومة الفلسطينية، الأمر الذي انعكس على حسن تقدير المقاومة لمستوى تحرك الجيش الإسرائيلي ومدى استعداده للمواصلة.

خامسًا: العقيدة القتالية: كان واضحًا ما أثاره التسريب وما سبقه من تقويمات للجيش من عودة الحديث عن أزمة الحافزية للقتال لدى الجنود، خاصة في وحدات الاحتياط، ثم الكفاءة في التعاطي مع الميدان من النخبة التي شاركت، وكان دائمًا الحديث أن هناك مشكلة يجب التغلب عليها، برفع الكفاءة والجاهزية، والإشارات دائمًا تتحدث عن عملية (ناحل عوز) التي ظهر فيها الجيش بأدنى مستويات الأداء والخيبة.

سادسًا: أداء القيادة: تناول التسريب هذا الموضوع، وأشار إلى تدني المسؤولية في إدارة الحرب، ثم التصرفات التي ظهرت من القيادات السياسية التي دخلت بمناكفات في أثناء الحرب، إضافة إلى القيادات العسكرية التي ظهرت بالمستوى نفسه من هذا الارتباك.

في المقابل ظهرت المقاومة الفلسطينية على النقيض بفضل ما يعرف بالإدارة المتفاعلة والحكيمة في جملة من الصور المهمة:

أولًا: توزيع عمليات الميدان توزيعًا يخدم الصورة اليومية للمقاومة، الأمر الذي جعل معنويات الجبهة الداخلية متماسكة إلى حد ما.

ثانيًا: العقيدة القتالية: كان للعنصر المقاتل حضور يفوق القدرات التي يمتلكها العدو، الأمر الذي وفر حالة تفوق حين المواجهة المباشرة.

ثالثًا: شكل الإعلام المقاوم المحور الرئيس في المعركة، الأمر الذي تسبب في انتكاسة كبيرة لإعلام الجيش والإعلام الموجه.

رابعًا: كفاءة الإطلاق الصاروخي من حيث السعة، والاستخدام، والحجم، والتغيير في الأشكال، والحفاظ على أهمية هذا النوع في المواجهة.

خامسًا: إدارة العمليات الآمنة والاتصال الهرمي، هذا موضوع تعلم القسام وحدها وفصائل المقاومة كم النجاح فيه، لكن من الواضح أن هذا الملف من مواطن الضعف الذي نجح الاحتلال عبره تصفية قيادات وازنة في المعركة.

حديثنا هذا لا يعني أننا أمام مقاومة قادرة على هزيمة الاحتلال بالضربة القاضية، ولا أمام مقاومة تملك مثل ترسانة الاحتلال، لكن كل المعطيات تشير إلى أن الحرب الأخيرة مشاركة المقاومة فيها أصابت الاحتلال بمآزق إستراتيجية لا تكتيكية، وكشفت الحرب الأخيرة حجم الضعف الذي عليه الاحتلال مع امتلاكه أدوات الدمار الكبيرة.

الاحتلال وفق هذه المعايير وضع لنفسه سلمًا من العمل لتصويب الأداء، وإيجاد حلول لمواطن الضعف التي عاناها، لذلك باتت تدريباته تعالج النقص وتتوقع شكل التطور الذي ستدخله المقاومة على آليات عملها، وأيضًا بالموازاة يتوقع أن تقوم المقاومة بسلوك مماثل للسلوك العام الذي عليه الاحتلال.

وفي سياق هذا الحديث لن نؤكد فرضية أن الاحتلال سيتوقف عن شن حرب أخرى على غزة، ولن يكون هذا الأمر حاضرًا، ففي كل حين يمكن تدهور الحالة واندثارها، خاصة في ظل سياقات الارتباك السياسي الصهيوني الداخلي، وملفات الفساد الحقيقية التي تعصف بنتنياهو.

في الخاتمة: على أصحاب الرؤية والقرار والمخالفين للمقاومة النظر بجدية إلى ما أنجز، والتفكير في الكيفية التي مكنت نخبة محاصرة مطاردة من هز عرش الاحتلال بقوة.

مواضيع متعلقة: