​تقبل السكن في "خيمة" لكنها لا تجد ثمنها

غزة - أسماء صرصور

"سامحونا.. ما في غاز ولا حتى قهوة أو شاي عشان نقدم الضيافة لحضراتكم".. هذه الكلمات كانت هي الضيافة التي تلقفناها في بداية زيارتنا لمنزل السيدة "أم محمد"، اسم مستعار، والتي بدأت رحلة معاناتها مع ضيق الحال منذ 23 عامًا خلت.

أم محمد (45 عامًا)، في شبابها، كانت مثلها مثل أي فتاة تحلم بالزواج، تقدّم لها شاب لم تكن مواصفاته جيدة، لكن كل من حولها أكد لها أن أي شاب تتحسن أحواله وصفاته بعد الزواج وإنجاب الأبناء، فأخذت بالنصيحة، وتزوجته، وأنجبت منه خمسة أبناء، ثلاث فتيات وولدين، لكن حاله لم يتغير كما قيل لها.

أسكنها في غرفة على سطح بناية عائلته، عاشت هي وأولادها في هذه الغرفة التي تدخلها باستمرار مياه الأمطار ومياه الخزانات المصفوفة على السطح، ولم يكن يهتم كثيرًا بإطعام أطفاله.

ولو تساءلت، عزيزي القارئ، عن سبب عدم ترك أم محمد هذه الحياة، فهي تجيبك بقولها: "لدي سلفة تركت منزلها وابنتيها، ورأيت بأم عيني الإهانة التي تتعرض لها الطفلتان، فلم أحتمل أن يحدث لأولادي ذلك".

ذات مرة، ضاق بها الحال، فتركت المنزل وصوّبت وجهتها نحو بيت والدها، ومكثت فيه مدة خمسة عشر يومًا متتالية، ولما عادت إلى بيتها علمت أن زوجها كان يحضر للمنزل يوميًا بيض بشيكل واحد وخبز بشيكل واحد فقط.

حالتها هذه استمرت ثمانية أعوام متتالية، إلى أن استطاعت، بمساعدة أهل الخير، افتتاح صالون لتصفيف الشعر، وبمرور الوقت تمكنت من إنعاش حياة أولادها، وقررت أن تترك غرفة السطح، وتنتقل للسكن في منزل بالإيجار، لكن زوجها رهن موافقته بأن تدفع هي ثمن إيجاره، وهو ما حصل لاحقًا، فقد رضيت بذلك حتى تخرج إلى النور.

ست سنوات استطاعت فيها أن تبني لها صيتًا في "عالم الكوافير"، ووفرت بعض المال وأخفته لدى شقيقتها، إلى أن اشتكت ابنتها، ذات يوم، من آلام شديدة في ساقها، فنقلتها إلى مركز طبي قريب ليشخص حالتها بوجود ورم سرطاني في العظام.

وبأي حال، لم تحتمل ساقها العلاج في غزة، فتم تحويلها إلى مستشفى في الداخل المحتل، واستمر علاجها ما يقارب العامين، لتستنفد "أم محمد" كل ما لديها من "تحويشة العمر"، ولم يكن لها مصدر دخل بعد إغلاقها صالون الشعر لتبقى إلى جوار ابنتها المريضة، فكان أهل الداخل المحتل يجودون عليها بين الحين والآخر ببعض التكاليف التي تحتاجها الابنة.

عندما عادت أم محمد من رحلة علاج ابنتها، كان زوجها قد باع الصالون الخاص بها، وكل محتوياته، وتزوج سيدة أخرى، فاضطرت لترك المنزل ورحلت لمنزل آخر.

استطاعت تسجيل اسمها في وزارة الشؤون الاجتماعية، فصارت تنتظر مخصصاتها التي تبلغ قيمتها 1200 شيكل مرة واحدة كل عدة أشهر، لكن صاحب المنزل المؤجر يلاحقها لتدفع قيمة الإيجار كلما عرف بموعد المخصصات المالية، ويقطع عنها الماء والكهرباء في أوقات كثيرة بحجة أنه "لا يؤجر بيته لحالات إنسانية".

سعت للحصول على بيت يؤويها عبر وزارة الإسكان، لكنها لم تفلح، وفاض بها الحال حتى أنها تقول: "لو أنني أملك ثمن خيمة لافترشت بها الأرض أنا وأولادي".

حاولت "أم محمد" كثيرًا أن تعيد فتح الصالون لتبدأ العمل من جديد، لكن الكثير من المعيقات كانت تقف حجر عثرة في طريقها، منها على سبيل المثال العثور على مكان مناسب بلا تكلفة.

مواضيع متعلقة: