​تعلّم فن الاعتذار إلى الله

غزة- هدى الدلو

نرتكب في حياتنا أخطاء بحق الآخرين، فنضطر بعد تدارك الأمر إلى الاعتذار، ومن ثم المسامحة فيما بينهم، وعودة العلاقات إلى مجاريها، وكذلك قد نقع بأخطاء بحق الله أو نرتكب معاصي، فكيف نعتذر لله؟، ومتى؟، وما هي آداب الاعتذار إلى الله؟، هذه الأسئلة وغيرها سنجيب عنها في السياق الآتي:

الأستاذ المشارك في الفقه وأصوله بالجامعة الإسلامية د. زياد مقداد قال: "أكرمنا الله بدين عظيم من التزم بأحكامه فاز وهدي إلى طريق مستقيم ومن ترك أحكامه خسر وضل ضلالًا مبينًا، ولذلك فإنه من واجب كل مسلم إذا ما اهتدى إلى طريق الحق ولزم تعاليم الدين واتبع الطريق المستقيم أن يحمد الله ويشكره على هذه النعمة العظيمة نعمة الهداية والاستقامة على أمر الله، ومن واجبه كذلك أنه إذا انحرف عن الطريق وتنكب الجادة أن يسارع في التوبة والاعتذار إلى الله عز وجل وأن يسأله العفو والمغفرة والعون على العودة إلى طريق الحق والخير والهداية".

وأوضح أن الاعتذار إلى الله عز وجل لا يكون فقط بسبب خطأ أو معصية ارتكبها الإنسان نفسه، بل يجب عليه أن يعتذر إلى الله عز وجل جراء ارتكاب غيره للمعاصي؛ ذلك أن كل معصية ترتكب فيها نوع تقصير في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهنا تكون طبيعة الاعتذار مختلفة تتمثل في الدعاء لله بأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وتتمثل كذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وأشار د. مقداد إلى أنه كلما ارتكبت المعاصي من الشخص نفسه أو من غيره من أبناء مجتمعه؛ لزمت التوبة ووجب الاعتذار إلى الله عز وجل ودعائه بأن يغفر ويعفو ويهدي كل الحيارى إلى الطريق المستقيم.

أما عن صيغة الاعتذار إلى الله وكيفيته، فبين أن الاعتذار يبدأ بالاعتراف بالخطأ والندم على فعله والعزم على عدم العودة إليه، ويعبر عنه بمناجاة الله عز وجل بالاستغفار والتوبة، فآدم وحواء لما ارتكبا معصيتهما اعترفا واعتذرا لله وعبرا عن ذلك بقولهما :" قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ"، وهذا موسى عليه السلام يعتذر لله عز وجل عن خطيئته فيقول: " قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ".

وأضاف: "قد أرشد القرآن الكريم كل المخطئين والمسرفين إلى الاعتذار والتوبة وعلمهم كيفية الاعتذار، قال تعالى: "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ"".

وذكر حديث شَدَّاد بْنُ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ قَالَ وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

ولفت د. مقداد إلى أنه لعل الصيغة الأصح والاشهر للاعتذار والتي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد الاستغفار "هي قولك: اللهم أنت ربي لا إله إلا انت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

وعن آداب الاعتذار، فتابع حديثه: "فهناك آداب قلبية "باطنية" تتمثل في الشعور بالخطأ والندم عليه والعزم على الاستقامة وعدم العودة للخطأ أو المعصية، وهناك آداب عملية "ظاهرية" تتمثل في رفع أكف الضراعة إلى الله أن يعينه على ترك المعاصي وعلى الاستقامة على أمر الله؛ وأن يرى عليه آثار الاعتذار عمليًا وذلك بالبعد عن المعصية والإقبال على الطاعات والعبادات المفروضة منها والمسنونة".