​أحد مشاريع بلدية عبسان الكبيرة

تكيّة الخليل إبراهيم.. طعم الخير في قدر "جريشة"

خانيونس / عبسان - حنان مطير

صغارٌ وكبارٌ وذوو إعاقة، لا تفارق الابتسامةُ ملامحهم، كلٌ يحمل قدره الصغيرة منتظرًا تعبئتها بوجبة "الجريشة" التي باتت جاهزة وتنتظر من يغرفها.

هناك في بلدة عبسان الكبيرة شرق محافظة خانيونس يتوحّد الغداء عند الكثيرين في ذلك اليوم وتتوحّد القلوب، فتكيّة الخليل إبراهيم عليه السلام وهي أحد المشاريع التي تنفّذها بلدية عبسان الكبيرة ما تزال تصنع الطّعام وتُقدّمه لطُلَّابِه.

يقف الشاب إبراهيم أبو حمد في الدّاخل ويحرّك الطعام في قِدرٍ كبيرة بجانبه قدر أخرى خاصة بلحم الدجاج المقطّع، وبالرغم من علامات الإرهاق التي بدَت على عينيه فإن ابتسامته كانت أدوَم وهو يقول لـ"فلسطين":" العمل في التكيّة أمرٌ رائع، وأشعر فيه بالفخر، فأن تصنع الطعام وتقدّمه لمن يحتاج إليه من أهل بلدتِك شيءٌ يشرح الصّدر".

ويضيف: "يكفيني أن أسمع كلمة "الله يرضى عنك" من امرأة عجوز جاءت لتملأ قِدرها، أو كلمة شكرًا يا عمو من طفلٍ صغير".

ويحرص أبو حمد على المعاملة الطيبة مع كل من يأتي يسأل طعامًا، موضحًا: "هؤلاء أهلنا، فإن لم يكن أخي أو ابني أو أبي فهو قريبي وجاري وابن بلدتي، إننا في هذا اليوم طعامُنا واحدٌ وابتسامتنا تنبع من القلب".

إلا أنّ الاحتياج الكبير لأهل البلدة يؤسف أبا حمد نظرًا للوضع الاقتصادي السيئ في قطاع غزّة، ويتمنّى أن تبقى تكيّة الخليل إبراهيم قائمةً إلى ما لا نهاية طالما كان الوضع بتلك القسوة كما يقول.

وقت سعيد

ويتجمهر المحتاجون من أهل البلدة منذ وقتٍ مبكّر يقارب التاسعة صباحًا في حين أن القِدرين أو الثلاثة التي يصنعها العاملون في التكيّة تصبح جاهزةً في حدود الحادية عشرة، فأجواء الانتظار كما يقول جميلة، وهناك من الأطفال من تعرّفوا على بعضهم في رحلة ذهابهم وإيابهم من التّكيّة.

"الجريشة" التي يصنعها أبو حمد وخمسةٌ آخرون في التّكيّة منهم أربعة متطوعين تتكوّن من: الجريشة أو الجَرِيْشُ كما يلفظها أهل المنطقة من سكان بلدة عبسان، وهي منتج غذائي من منتجات حبوب القمح المطحونة طحناً خشناً، والأرز، والبصل والفلفل الأسود والأخضر، والزبدة، واللحم إن توافر.

ويخبرنا أنها تختلف عن الجريشة التي يصنعها أهل مدينة غزّة "فهم لا يطبخونها مع الأرز، بل يصنعونها كالشوربة، أما في بلدة عبسان فتكون جامدة كما يؤكل الأرز وفي وسطها تُكوّم قطع الدّجاج أو أي نوعٍ آخر من اللحم".

ويُذكر أنّ الجريشة أكلةٌ شعبية تراثية مميزة عند سكان خانيونس، ويصنعونها بالعادة في "الرّحمات".

أما المتطوّعون الأربعة فيأتون لأن رائحة الخيرِ تنعشهم كما يقول أحدهم وهو خليل مصبح -26 عامًا- ويوضح: "العمل التطوّعي يجذبني كثيرًا ولا أفكّر يومًا بتركِه، ففي كل خطوة يخطوها الإنسان بركة وخير بإذن الله".

مشروع البلدية

مديرة العلاقات العامة في بلدية عبسان الكبيرة أ. إيمان طبش، توضح "أن مشروع التكيّة الذي تقوم به البلدية جاء من أجل إطعام المحتاجين، فلا يُتْرك في البلدة أسرةٌ جائعة، وهي قائمةٌ بتعاونٍ ودعمٍ من أبناء البلدة وغيرهم من المقتدرين في الداخل والخارج".

وتذكر أن المشروع ما يزال قائمًا يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع ويسهِم في إطعام ما يقارب مائتي أسرة والذي كان قد افتُتِح في شهر رمضان الماضي، لكن الظروف الاقتصادية الصعبة للأهالي في البلدة، كانت دافعًا لاستمراره حتى اليوم وإن كان بدعمٍ محدود وفق قول أ. طبش التي تؤكّد أن البلدية تسعى لبقاء التّكيّة مفتوحة لأطول فترةٍ ممكنة.

وتقول: "لقد تمّ اختيار مقام الخليل إبراهيم عليه السلام لتُقام فيه التّكيّة، حيث مرّ عليه السلام من العراق إلى فلسطين واستراح في ذلك المكان الذي تجاوره الأرضية الفسيفسائية، وبذلك تكون التكيَّةُ المكانَ الأمثلَ لإحياء وتطوير الأماكن الأثرية بطريقة أكثر منفعة".

وتضيف: "يعود تاريخ الأرضية الفسيفسائية إلى سنة (606م)، وهي مثال على الأرضيات الفسيفسائية البيزنطية في غزة، وإلى الشمال منها عثر المنقبون على قبر بيزنطي مبني من الحجر الرملي وعمودين رخاميين من أصل بيزنطيّ".

وتتبع: "لم يتبقَّ من تلك الأرضية سوى ذلك العمود والقبر حيث قامت وزارة السياحة والآثار بالحفاظ عليها من عوامل التعرية من خلال بناء غرفة كبيرة تحيط بها".