​تجنب موانع الثبات.. والأخذ بالعوامل مدعاة للمحافظة على الطاعة

صورة أرشيفية
غزة/ هدى الدلو:

يلاحظ أن كثيرًا من المسلمين ممن كانوا يحافظون على أنواع كثيرة من الطاعات في رمضان كالذكر والصدقة والتبكير إلى الصلوات وغيرها، يهملون هذه الطاعات بعد انقضاء الشهر ولا يثبتون عليها، وهذا الأمر إِن استمر له خطورته على إيمان العبد وخاتمته وآخرته، خاصة أن الله أمرنا بالثبات على الطاعات حتى الممات في قوله تعالى: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"، كما أمرنا أن نسأله عدة مرات في اليوم الواحد أن يهدينا الصراط المستقيم.

فقال الشيخ الداعية محمد العامودي: "فالثبات له موانع وله عوامل، فإن تجنب الإنسان موانعه وأخذ بعوامله ثبت على الطاعة بإذن الله، ومن الموانع طول الأمل وحقيقته الحرص على الدنيا والانكباب عليها، والحب لها والإعراض عن الآخرة، وقد حَذَّرنَا الله مِنْ هذا المرض في قوله: "وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ"، فهي سبب قسوة القلب فقال: "وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ".

وبين أنه سبب الانشغال عن هدف الإنسان من الحياة فقال: "ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ"، كما أنه سبب للانتكاس والسقوط لقوله: "إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ"، أي زين لهم الشيطان خطاياهم، و مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر.

وأضاف العامودي أن التوسع في المباحات من الطعام والشراب واللباس ونحوها سبب في التفريط في بعض الطاعات وعدم الثبات عليها، ويورث الركون والنوم والراحة، بل قد يجر إلى الوقوع في المكروهات، لأن المباحات باب الشهوات، لذا أمر سبحانه بالأكل من الطيبات ونهى عن الطغيان فيها، قال تعالى: "كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ".

وأوضح أن العقيدة الإيمانية تزيد وتنقص، فيضعف العبد إذا عرض نفسه للأجواء الإباحية والفجور، لذا بين النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّ أحب البقاع إلى الله المساجد وأبغضها الأسواق، فالمساجد بيوت الطاعات، ومحل نزول الرحمات، والأسواق محل الغش والخداع والأيمان الكاذبة، وقد حث الشرع على مرافقة الصالحين وملازمتهم ليعتاد المسلم فعل الطاعات، وترك السيئات.

أما بالنسبة لعوامل الثبات، فتابع العامودي حديثه: "الدعاء بالثبات، وذلك من صفات عباد الرحمن أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أَنْ يثبتهم على الطاعة و أَنْ لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، فهم يوقنون أن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف يشاء، لذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول اللهم يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك، اللهم يا مُصَرِّف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك.

ومن ذلك أيضًا، تنويع الطاعات والمسارعة إليها، وأشار إلى أن من رحمة الله بعباده أن نوع لهم العبادات لتأخذ النفس بما تستطيع منها، فمنها عبادات بدنية، ومالية وقولية وقلبية، وقد أمر الله عز وجل بالتسابق إليها، وعدم التفريط في شيء منها، وبمثل هذا التنوع وتلك المسارعة يثبت المسلم على الطاعة، ولا يقطع الملل طريق العبادة عليه، مصداقًا لقوله تعالى: "وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا".

ولفت العامودي إلى أن التعلق بالمسجد وأهله يعين على الثبات على الطاعات، حيث المحافظة على صلاة الجماعة والصحبة الصالحة ودعاء الملائكة، ومطالعة قصص الصالحين، فذكرها الله في كتابه ليس من باب التسلية والسمر ولكن لننتفع ونتعظ بها، ومن منافعها تثبيت قلوب المؤمنين والطائعين، قال تعالى: "وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ".

وذكر أن كثيرًا من الناس تتغير أحوالهم إِلى الأصلح بالاطلاع على سير العظماء والأكابر، خاصة سير السلف الصالح الأوائل الذين ضربوا أعظم الأمثلة في التضحية والعبادة، والزهد والجهاد والإنفاق وغيرها، فالاطلاع على هذه السير يورث المرء حماسًا عظيمًا.

واستكمل العامودي: "واليقين بالمعاد والجزاء يسهل على الإنسان فعل الطاعات وترك المنكرات، مصداقا لقوله تعالى: "واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين* الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون".