​تفاهمات التهدئة.. فصل المقال بين الشك واليقين

د. وليد القططي
الأحد ٠٧ ٠٤ / ٢٠١٩

تفاهماتُ التهدئة بين المقاومة والاحتلال، موضوعُ جدالٍ بين مُوافقٍ ومُخالف، ومادةُ سجالٍ بينَ مُؤيد ومُعارض، وبابُ نزاعٍ جديد للمُناكفةِ السياسيّة، ومدخلُ صراعٍ أكيد للمُناطحة الإعلامية. الوصولُ إلى فصلِ المقالِ فيما وقعَ بينَ المختلفين من إشكال، لم يعُدْ بالأمر الهيّنْ، ولا بالشيءِ الليّنْ، لذلك احتاجَ الموضوعُ إلى حِكمة توازن بين الشك واليقين، وفطنة تسلّط الضوء على بعض النقاط، ثم تضع النقاطَ على الحروف. ومن المفيد لتحقيق ذلك دراسة تفاهمات التهدئة في سياقها الطبيعي وإطارها المنطقي، وإدراكها من خلال أبعادها المكانية والزمانية والسياسية، للخروج برؤيةٍ واضحةٍ وموقفٍ محدد، دون مبالغة أو تقصير، من غير تعظيم أو تحقير.

تفاهمات التهدئة اجتهاد سياسي لقوى المقاومة في قطاع غزة، في إطار إدارة الصراع مع الاحتلال، وبهدف تخفيف معاناة الشعب الحاضن للمقاومة في القطاع، والاجتهاد السياسي هو جهد عقلي بشري جمعي، يخضع لقانون الرأي والرأي الآخر، وقابل للصواب والخطأ، وبالتالي يحتمل التأييد والمعارضة أو الموافقة والمخالفة، ويُمكن أن يكون محل نقد وكذلك نقد النقد؛ لا سيما وأن المرجعية الوطنية التي يُمكن الاحتكام إليها غير موجودة، والإجماع على مشروع وطني موحد مفقود، والتوافق حول منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب بعيد، والانقسام ضارب بجذوره في عمق سحيق، والنتيجة أن الخلاف حول ملف تفاهمات التهدئة في إطار مشروع ومسموح، طالما يبعد عن اتهامات التخوين والخروج عن الإجماع الوطني غير الموجود، والتآمر على القضية الوطنية وهلم جرا على هذا المنوال.

تفاهماتُ التهدئةِ في جوهرها تسعى لانتزاع حقوق طبيعية من الاحتلال كفلها القانون الدولي للشعب الفلسطيني ولكل شعب تحت الاحتلال، فالقطاع كالضفة وكل فلسطين من الناحية القانونية والفعلية لا زال تحت الاحتلال الإسرائيلي بموجب قراري مجلس الأمن رقم ( 242) لسنة 1967، ورقم (338) لسنة 1973. التغيير الذي حدث بعد إنشاء السلطة الفلسطينية سنة 1994 بموجب أوسلو سنة 1993 لم يمس جوهر وجود الاحتلال رغم انتقال صلاحيات إدارة شؤون السكان المدنية إلى السلطة الفلسطينية بدلاً من سلطة الاحتلال. وهذا الوضع القانوني والفعلي لم يتغير بعد تطبيق خطة فك الارتباط في قطاع غزة سنة 2005، رغم إخلاء المستوطنات والجيش من داخل القطاع، فقد ظلت السيطرة الفعلية على الحدود البرية للاحتلال، وبقيت السيادة الحقيقية على المجالين البحري والجوي للقطاع كالضفة وكل فلسطين بيد دولة الاحتلال. هذا يعني تغير شكل وأسلوب الاحتلال دون جوهره ومضمونه، وهذا الوضع لم يتغير كثيراً بعد أحداث الانقسام سنة 2007 واستفراد حركة حماسبمؤسسات السلطة في القطاع، ورغم إطلاق يد المقاومة على الأرض وتحركها بهامش حرية سمح لها بزيادة قوتها المادية والبشرية وهذا ما أعطى الاحتلال فرصة لترويج التخلي عن مسئوليته تجاه السكان في القطاع ولكن آثار مشروع أوسلو وما نتج عنه من إنشاء سلطة تحت الاحتلال، هو المتغير الأهم الذي سمح للاحتلال بالترويج لمزاعم ترى أن الاحتلال قد أخلى التزاماته تجاه سكان قطاع غزة، وألقى بالمسؤولية على السلطة الفلسطينية بخلاف القانون الدولي الذي يجبر دولة الاحتلال على تزويد المنطقة المحتلة بكافة متطلبات الحياة من غذاء ودواء وغيرها. وهو ما نحاول الحصول عليه من خلال تفاهمات التهدئة الحالية، ونضطر لدفع ثمن كبير من أرواح ودماء الشعب الفلسطيني الصامد والمقاوم في قطاع غزة.

تفاهمات التهدئة في إطارها التاريخي ظهرت مع نهاية انتفاضة الأقصى عام 2005 عندما كُتب مصطلح (التهدئة) في وثيقة إعلان القاهرة للفصائل الفلسطينية المجتمعة في القاهرة، وارتبطت بالتهدئة مقابل التهدئة، أي وقف عمليات المقاومة الفلسطينية مقابل وقف أشكال العدوان على الأرض والشعب الفلسطيني، وبعد فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة سنة 2006، واشتداده في سنة 2007، وتزامنه مع الحروب العدوانية الثلاثة على غزة، أصبحت تفاهمات التهدئة مرتبطة بالمطالبة بإنهاء الحصار كشكل من أشكال العدوان، وظهر ذلك جلياً في التفاهمات التي أنهت حرب 2012، ثم حرب 2014، ولكن ذلك ظل حبراً على ورق ولم يتعدَّ الأمر إدخال المساعدات الإنسانية والاغاثية وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع عبر المعابر، وأدت مماطلة العدو إلى النزول لسقف التفاهمات من إنهاء الحصار بإقامة ميناء بحري وجوي يسمح بحرية السفر ونقل البضائع إلى إجراءات تخفيف الحصار وحل المأزق الإنساني في غزة.

تفاهمات التهدئة جاءت في ظل واقع سياسي واقتصادي ضاغط على غزة، فالواقع السياسي الدولي في ظل الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب مُشجع لدولة الاحتلال بممارسة كافة أشكال الإرهاب والعدوان ضد الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الحصار على غزة، والواقع السياسي العربي في أسوأ حالاته بعد تهافت الأنظمة العربية على التطبيع مع الكيان الصهيوني وتجاوز القضية الفلسطينية التي أصبحت آخر اهتماماتهم، والواقع السياسي الفلسطيني في أضعف حالاته باستثناء بقعة الضوء المشرق الصادر من جذوة المقاومة في الضفة والقطاع، فالانقسام ضرب بجذوره الخبيثة في عمق السياسة الفلسطينية، والتنسيق الأمني -لفريق من السلطة- أصبح بقرة مقدسة لا يمكن المساس به، والعقوبات المفروضة على غزة وأهلها مصلحة وطنية، المطالبة برفعها خيانة، والحصار والعقوبات تحولا إلى وجهين لجريمة واحدة تهدف إلى تركيع المقاومة وإذلال حاضنتها الشعبية، وفي ضوء هذا الواقع السياسي غير المريح جاءت تفاهمات التهدئة مدعومة فقط بقوة ردع سلاح المقاومة ورجالها، وقوة صمود الشعب الفلسطيني حاضنة المقاومة وحامي ظهرها، وضغط مسيرات العودة وكسر الحصار.

تفاهمات التهدئة الحالية جاءت بعد عامٍ من انطلاقة مسيرات العودة وكسر الحصار، وإن كان إنهاء الحصار هو العنوان الثاني للمسيرات، إلا أنه كان ولا زال الهدف الأول القابل للتحقق كلياً أو جزئياً. هذه التفاهمات قد تكون بداية الطريق لإنهاء الحصار، بعد أن أوصلت الاحتلال إلى قناعة إجبارية بأن الشعب الفلسطيني لن يتنازل عن حقه في إنهاء الحصار بالكامل مهما كان الثمنُ باهظاً، والتضحيات كبيرة، وأن المقاومة مصممة على تخفيف معاناة حاضنتها الشعبية ودعم صمودها وتعزيز قوتها.

المسيرات الشعبية حلقة من حلقات النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال البريطاني ثم الصهيوني منذ قرن من الزمان، هذا النضال لن يتوقف إلا بالوصول إلى محطة التحرير والعودة والاستقلال، فالتفاهمات في هذا الإطار الوطني محطة على طريق الصراع الطويل مع الكيان الصهيوني، هذا النضال الوطني سيراكم نقاط القوة للشعب الفلسطيني، ونقاط الضعف للكيان الصهيوني، وستقدمنا خطوة على طريق الألف ميل.

تفاهمات التهدئة يحيط بها الكثير من المخاطر والمحاذير السياسية الحقيقية، خاصة وأنها تتزامن مع صفقة القرن الصهيو أمريكية والرغبة الإسرائيلية بفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، والتعامل مع كل واحد منهما كإقليم منفصل، ليسهل تفكيك القضية الفلسطينية وتصفيتها، ويصاحبها الكثير من الاتهامات غير الحقيقية الصادرة عن فريق أوسلو والسلطة تتلخص في تمرير صفقة القرن، وتدمير المشروع الوطني الفلسطيني، وتطبيق حرفي للمخطط الإسرائيلي الهادف إلى تدمير القضية الفلسطينية، وتحويل الانقسام إلى انفصال، وانشاء كيان سياسي بديل للدولة الفلسطينية وحل الدولتين. وفي كلتا الحالتين: المخاطر حقيقية، والاتهامات وهمية.. فهذا تطبيق للمثل الشعبي القائل: (رمتني بدائها وانسلّت)، وقريب من آلية (الإسقاط) في مدرسة التحليل النفسي، التي يسقط الشخص عيوبه على غيره وينسب رغباته المحرّمة لغيره.

ولهذا نجدُ أنّ غالبية القادة المزيفين أكثر ذرفاً للدموع على المشروع الوطني الضائع في غزة، وهم أنفسهم الذين ضيّعوا المشروع الوطني الحقيقي بين وهم الدولة المستقلة وحقيقة التنسيق الأمني. وأن أكثر السادة العبيد بكاءً على فقراء غزة المُعذّبين في الأرض، هم الأغنياء المترفون الذين حرّضوا على فرض العقوبات على أهل غزة وساهموا في تجويعهم وإفقارهم بقطع رواتب الموظفين، والأسرى، وذوي الشهداء. وأن معظم المرجفين الخائفين من دفع ثمن سياسي مقابل التهدئة هم الذين فرضوا على الشعب الفلسطيني أن يدفع أكبر ثمن سياسي في أضخم خيبة سياسية فرضها قادة على شعبهم... وعلى هذا الموّال الذي يحاول اقناعنا بأن التخفيف من وطأة الحصار، وثقل العقوبات ضد المصلحة الوطنية ويصل لدرجة الخيانة العُظمى.

فصل المقال في تفاهمات التهدئة: هي اجتهاد سياسي يقبل الصواب والخطأ، ويحتمل النقد ونقد النقد، هدفها انتزاع حقوق طبيعية من الاحتلال كان قد تخلّى عنها بخلاف القانون الدولي الذي يجبره على توفيرها، وهي تتم في إطار إدارة الصراع مع الاحتلال منذ أن نفذ خطة فك الارتباط وإعادة الانتشار مع قطاع غزة، وتجري في ظل واقع سياسي دولي وعربي وفلسطيني غير ضاغط على العدو، -باستثناء ضغط المقاومة المسلحة ومسيرات العودة-، ورغم سمو هدفها المرتكز على دعم صمود الشعب الفلسطيني؛ إلا أن هناك محاذير حقيقية يجب الحيطة لتجنبها، ومخاطر وهمية ابتكرها فريق سياسي يرغب في إبقاء الحصار والعقوبات على الشعب الفلسطيني في غزة، لأهداف سياسية بعيدة عن المصلحة الوطنية الفلسطينية، التي تقتضي تحقيق الوحدة الوطنية على أساس مشروع التحرير والعودة والاستقلال.