تدمير "المسحال".. استهداف للموروث الشعبي والمواهب الفلسطينية

غزة/ نور الدين صالح:

حالة من الصدمة وخيبة الأمل، أصابت الشاب فضل حسين (22 عاما) الذي يعمل في فن التمثيل والمسرح، عقب قصف طائرات الاحتلال الإسرائيلي لمركز سعيد المسحال الثقافي قبل يومين غرب مدينة غزة.

وعلى مدار الثلاثة شهور الماضية كان الشاب حسين يتجهز برفقة مجموعة من الشبان والفتيات لعرض مسرحية تحمل اسم (مدرسة المشاغبين بغزة) على مسرح "المسحال" ثالث أيام عيد الأضحى المبارك.

"في غضون لحظات وغمضة عين تدمر المبنى" هكذا عبّر حسين في بداية حديثه عن حالة الصدمة التي حلّت عقب قصف طائرات الاحتلال لمركز المسحال.

ويقول والحسرة ترتسم على محياه: "قصف المبنى دمّر حلم الشباب والصبايا الذين يتدربون للمسرحية منذ ثلاثة شهور"، متسائلاً "أين سنُقيم عرض المسرحية الآن؟".

ويُمثل مبنى المسحال، والحديث لحسين، مركزا لتجمع الشبان المهتمين بالثقافة والفن، خاصة وأنه يضم مراكز ثقافية لتعليم الموروث والتراث الشعبي الفلسطيني.

ويرى أن المركز هو "فرصة كبيرة لعرض المواهب الفلسطينية في قطاع غزة"، مشيرا إلى أنه المسرح الوحيد والأكبر على مستوى القطاع الذي يُعرض فيه المسرحيات والعروض التراثية.

ودعا الشاب العشريني إلى تكاتف الجهود من أجل إعادة بنائه.

ولم يختلف الحال لدى الطفلة ضحى شرف ابنة العشرة أعوام، التي دأبت على ارتياد المركز باستمرار، لممارسة موهبتها بإلقاء الشعر والنشيد والتمثيل.

وتقول شرف لصحيفة "فلسطين" إن الاحتلال يحاول دائماً طمس الهوية الفلسطينية وتدمير التراث والثقافة من خلال قصفه للمراكز التراثية، مشيرةً إلى أنه في المرة الأولى قصف قرية الفنون والحرف قرب مبنى الكتيبة بغزة.

وتضيف بصوت بريء، أن قصف المراكز الثقافية يدلل على همجية الاحتلال، مشددةً :"سنوصل صوتنا لكل العالم، حتى يشاهدوا المجرم الاسرائيلي الذي لا يفرق بين البشر والحجر".

وتُكمل: "يجب أن يعيش أطفال فلسطين بأمان وبدون قصف من طائرات الاحتلال"، متسائلةً "ما هو ذنبنا كأطفال كي تقصف المعالم الثقافية وتحرمونا منها".

وتتساءل: "لماذا يقصف الاحتلال الأطفال والألعاب وأماكن الترفيه بغزة"، داعية الكل الفلسطيني لضرورة التوحد مع بعضه البعض، لمواجهة غطرسة الاحتلال.

تدمير الثقافة

واستهجن الإداري في مركز سعيد المسحال، نضال عيسى، قصف الاحتلال لمقر المؤسسة، مشيرا إلى أنه مركز ثقافي وليس له أي علاقة بالجانب العسكري، كما يدعي الاحتلال.

وأكد عيسى لصحيفة "فلسطين" أن الاحتلال يسعى إلى تدمير كل شيء في المشهد الفلسطيني، سواء الثقافة أو المقاومة وغيرها من الجوانب الأخرى.

وقال إن الهدف الأساسي من قصف المبنى هو تدمير المشهد الثقافي في فلسطين وإخفاء الهوية الفلسطينية، لافتاً إلى أن المركز يضم بداخله 6 مؤسسات مهتمة بالتراث الفلسطيني والفلكلور الشعبي وغيرها.

وأوضح أن المركز تلقى العديد من الاتصالات من الجهات المعنية ووزارة الثقافة، منوهاً إلى وجود دعوات لإطلاق حملة تتضمن إعادة بناء المركز.

وطالب عيسى، الكل الفلسطيني والجهات المعنية، بضرورة التدخل لإعادة بناء المركز مرة أخرى، خاصة أنه يُعبر عن التراث الفلسطيني، ويشارك في العديد من المهرجانات المحلية والدولية.

استنكار وإدانة

بدورها، استنكرت وزارة الثقافة قصف قوات الاحتلال مبنى مركز سعيد المسحال الثقافي في مدينة غزة.

وقال وكيل الوزارة د. أنور البرعاوي خلال مؤتمر صحفي عقده على أنقاض مبنى "المسحال"، أمس، إن "هذه الجريمة تمثل امتداداً لمسلسل الجرائم اللاإنسانية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني والانتهاكات المتواصلة بحق الموروث الثقافي الفلسطيني بكافة أشكاله".

وبيّن البرعاوي أن استهداف الاحتلال للمؤسسات الثقافية يحمل رسالة بأن الصراع معه ذات بُعد حضاري وثقافي، مضيفاً "الاحتلال يعاني من فوبيا وجود، الأمر الذي يدفعه لقصف المنشآت العلمية والثقافية".

وشدد على أن "هذه الجرائم تؤكد على صمود الثقافة الفلسطينية أمام كافة محاولات السرقة والتهويد، وتُبرز الدور الذي تلعبه الثقافة والخطر الذي تشكله على المشروع الصهيوني الزائف في أرض فلسطين".

وأكد أن الوزارة ستواصل جهودها في المحافظة على الهوية الثقافية الفلسطينية، والوعي الوطني من كافة محاولات الاختراق والتزييف والتطبيع، داعياً جموع المثقفين الفلسطينيين والعرب وأحرار العالم للتضامن دعماً للثقافة الفلسطينية، وتوثيق وفضح جرائم الاحتلال بحقها.

وطالب البرعاوي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، وكافة المنظمات الثقافية العربية والدولية بالتدخل العاجل لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على الموروث الثقافي الفلسطيني.

وفي السياق، أدان الأمين العام للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين نافذ الرفاعي، تدمير قوات الاحتلال لمبنى مؤسسة المسحال.

وقال الرفاعي، في تصريح، أمس، إن "اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين يرى في هذا العدوان اعتداءً على الثقافة الفلسطينية ومؤسساتها وتجسيداتها، وهو يشكل حلقة جديدة في مسلسل طويل من الاعتداءات التي استهدفت تاريخياً كوكبةً من رموزنا الثقافية ومراكزنا البحثية ومؤسساتنا الإعلامية".

وأضاف "رغم ما تتعرض له مؤسساتنا من قصف وتدمير ستظل ثقافتنا قادرة على الصمود والاستمرار والانتاج والإبداع، مستمدة قوتها من قضية عادلة ومن تصميم فريق ثقافي ابداعي عضوي على التشبث برسالته الوطنية والقومية والانسانية الكونية والانتصار لأعدل قضية على هذا الكوكب".

ودعا الرفاعي باسم الكتاب والأدباء الفلسطينيين، اتحادات الكتاب والمؤسسات الثقافية العالمية إلى اعلاء الصوت استنكاراً وادانة لهذا العدوان السافر.

وقصفت طائرات الاحتلال الاسرائيلي، مساء الخميس، مبنى مؤسسة سعيد المسحال للعلوم والثقافة غرب مدينة غزة بعدة صواريخ، ما أدى إلى تدميره بشكل كامل، فيما أصيب 18 مواطناً جراء القصف.

وتضم مؤسسة المسحال الثقافية مقار العديد من المجموعات الثقافية مثل "مقر الجالية المصرية، ومقر فرقة العنقاء"، وغيرها.