​مستوحاة من الماضي..

سوق تراثية مصنوعة من الطين المضغوط في رفح

مبنى السوق
رفح - ربيع أبو نقيرة

يخطف نظر المارة بالشارع الرئيس في بلدة الشوكة الريفية الحدودية، شرقي محافظة رفح، جنوبي قطاع غزة؛ مبنى غير مألوف، مبني من الطوب الأحمر.

ويستوقف المبنى ذو الصبغة التراثية المارة للتعرف إليه، حتى يتبين أنه سوق شعبية، هي الأولى من نوعها، قيد التجهيز.

عند المدخل ماكينة يدوية تدق مُكعبات طينية بطريقة يدوية، لا تحتاج لطاقة كهربائية، بل لطاقة بشرية، يعمل عليها ثلاثة من العمال، ومثلهم ينشغلون في عملية تصفيف المُكعبات الجاهزة، ونقل بعضها إلى محمود صقر (ينادونه بأبي عاطف) المسؤول عن عملية البناء.

يتسلق "أبو عاطف" بحذر معتمدًا على خفة وزنه وجسده النحيف أحد الأقواس المُدعمة بقضبان حديدية، ويزيد ارتفاعها على ستة أمتار، تمهيدًا لتجهيزه، واحدًا من أصل "16 قوسًا وأربع قباب"، سيُشيدها بإتقان، لتكتمل لوحة بناء السوق الشعبية، التي تمزج بين عراقة الماضي وأصالة الحاضر، وفقًا لتصميم وتخطيط مكتب استشاري هندسي.

العمل ليس سهلًا، فأي خطأ قد يؤدي إلى انهيار القوس أو القبة، لذا إن الأمر يحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل، لكن "أبا عاطف" الذي يُتقن هذا العمل منذ نهاية التسعينيات نجح في بناء منازل طينية بغزة وهي تحت الحصار، ومبان تراثية في أريحا والأغوار الشمالية بتمويل من منظمة (يونسكو)، وهو يجد في هذا العمل مُتعةً، وينفذه بسهولة وإتقان.

قباب وأقواس

أبو عاطف قال في حديثه لصحيفة "فلسطين": "نعمل منذ أشهر على إنشاء سوق تجارية شعبية تراثية، تُشابه الأسواق الشعبية القديمة، بالطوب المُستخدم، والشكل الهندسي والمعماري الذي ستخرج به"، مُشيرًا إلى أن فكرة البناء بالطوب قديمة، لكنها تجددت في عهد الحصار.

وبين أن عملهم يعتمد على "الطوب المضغوط" المصنوع من تربة طينية، وهي متوافرة في قطاع غزة، لكن تفحص للتعرف إلى صلاحيتها للبناء من عدمها، ويُشترط أن يكون بها حصى (كركار)، ونسبة مُعينة من الرمل، وتضغط في ماكينة يدوية مع قليل من الماء والإسمنت، ليساعدها على التماسك.

تابع: "بعد ذلك نضع المُكعبات الجاهزة تحت غطاء بلاستيكي مدة ثلاثة أيام، ثم ترش بالماء مدة 15 يومًا، لتزداد صلابة وتُصبح صالحة للبناء"، لافتًا إلى أن الماكينة الواحدة تُنتج نحو 100 طوبة في اليوم، في حين يحتاج المبنى الذي ينشئونه نحو 55 ألف طوبة، تجهز على مدار 25 يومًا، بواقع 2000 مكعب من الطوب يوميًّا.

وتحمل زوايا السوق الأربع 4 قباب، تُشبه القباب في المباني القديمة، اثنتان منها ستظللان مكان إدارة السوق، التي ستضم 16 محلًّا تجاريًّا، بينها ممر، وتقع المحال مُتقابلة، ولاحقًا سيبنى خان وثلاجات بجانب السوق، وفق إفادة صقر.

إصرار على البناء

من جهته قال رئيس بلدية الشوكة التي تشرف على بناء السوق منصور بريك: "بلدتنا تفتقر لسوق تجارية، والناس تقطع مسافة طويلة وصولًا إلى سوق محافظة رفح المركزية لاشتراء حاجياتهم، من هنا جاء التفكير في إنشاء سوق تُلبي احتياجات السكان، وتوفر الجهد والمشقة".

وأضاف بريك في حديثه لصحيفة "فلسطين": "بنيت سوق عام 2014م، وقبل افتتاحها دمرها الاحتلال الإسرائيلي خلال العدوان"، مُشيرًا إلى أنهم أصروا على إعادة البناء، وطُرحت عليه العديد من الأفكار المعمارية.

تابع: "أردنا في المجلس البلدي تصميمًا معماريًّا يختلف عن الصورة النمطية، التي يراها الناس في أسواق القطاع، من طريق مكتب استشاري هندسي، بدعم من صندوق تطوير وإقراض البلديات، يُلبي احتياجات الناس، هدفًا خدميًّا من ناحية، ويربطهم بثقافتهم العربية والإسلامية من ناحية أخرى.

وبين بريك أن البناء الحالي للسوق على مساحة لا تزيد على 900 متر مربع، والمساحة المُحيطة التي ستجهز ليستفيد منها الباعة والتجار تبلغ نحو 2000 متر مربع.

وقال: "السوق ستعكس تراثنا العريق، والحضارة العثمانية تحديدًا، بالقباب والأقواس والشكل الكامل لها، وتربط بصماتها المنطقة الحدودية بتراثنا وماضينا".

وذكر بريك أن عملية البناء يستخدم فيها خليط ما بين مكونات البناء العادي والرمل والإسمنت ومواد تربة خاصة بأيد حرفية فلسطينية، مشيرًا إلى أن السوق ستكون بها مكاتب حراسة وإدارة وحمامات عامة للنساء وأخرى للرجال، ومياه للشرب، وممر مُغطى في المنتصف يحد من التزاحم ويُسهل التسوق.

ولفت رئيس بلدية الشوكة إلى أن البلدة يغلب عليها الطابع الريفي الزراعي، وتُعد سلة خضار رئيسة لقطاع غزة، ومن حق المزارع أن يكون له سوق لتسويق محاصيله، قائلًا: "لم نجد سوقًا لائقة أكثر من سوق شعبية تراثية من الطوب، حتى إنها تربط بحياة البادية التي ما زال يعيش فيها بعض سكان البلدة".