​سوق النحاسين بإسطنبول.. مطارق صغيرة تنحت تحفا للعالم

صورة أرشيفية
إسطنبول / الأناضول

في دكانه المتواضع، يطرق عزيز غونغور، على كؤوس نحاسية وفضية، تمهيدًا لصقلها وتلميعها لاحقا، في مرحلة واحدة فقط، تمر بها آلاف القطع المنزلية والتحف المصنوعة من النحاس والفضة في تركيا.

تلك هي إحدى مراحل إبداع منتجات النحاس التي تتميز بها تركيا، وتجذب الزبائن المحليين ومن مختلف دول العالم.

37 عاما من الخبرة للمعلم عزيز، جعلته يحفظ الأشكال والرسومات، فلا يحتاج لكثير من الوقت لرسم الشكل قبل الطرق والنحت، لإخراج المطلوب منه، فلا ينقطع صوت الطرق على مدى الساعة، تمهيدًا لإنجاز المزيد من الطلبات، التي تأتي من داخل البلاد وخارجها.

في سوق النحاسين بمنطقة بيازيد في قلب إسطنبول، خلف السوق المسقوف الشهير، تمتد عشرات الدكاكين التي تبيع الأواني المنزلية من كؤوس وعلب السكر وأباريق الماء والشاي والقهوة، وصحون الطعام ومستلزمات الحلويات وغيرها.

تمر هذه القطع في رحلة طويلة لتخرج تحفة فنية تتميز عن نظيراتها العالمية في الجودة؛ حيث تصمد الأواني عشرات السنوات من دون أن تتأثر، نظرا للجودة والمهارة والاتقان في صنعها.

وتبدأ العملية بشراء المواد الخام من أسواقها المخصصة، لتنقل إلى الورش التي تعمل على تهيئة النحاس وفق قوالبها المطلوبة بعد قطعها ولحامها، لتصل إلى مرحلة النقش أو الرسم أو الحفر، حسب الرغبة، وتنتهي بالصقل والتلميع، والطلاء أحيانا بالذهب أو حسب الطلب والرغبة.

المعلم طارق من ناحيته، يطرق على النحاس أيضا لساعات طويلة، خلال عمله على تشكيل خوذة تم طلبها منه، بعد عمليتي القص واللحام، ليعمل على أن تأخد القطعة شكلها النهائي، قبيل الانتقال إلى مرحلة تالية من الزخرفة والتزيين والنقش والحفر.

أما المعلم عزيز، فتصله القطع لينقشها، فيبدأ أولا بملء القطعة بالأسفلت بحيث لا تبقى أي فراغات، من أجل تسهيل عملية الطرق، لتبرد القطعة وتتبعها مرحلة رسم النقوش والرسوم المطلوبة على القطع.

ويبدأ عزيز بعملية الطرق، التي تستمر ساعات متواصلة، وبعد الانتهاء، يعمل على إخراج الأسفلت من داخل القطعة بواسطة رفع درجة حرارتها لتتحرر بتلقائية وانسيابية من تلك المادة.

وتنتقل بعدها المهمة إلى إرول أسطة، الذي يعمل على صقل وتلميع القطع، تمهيدًا للانتقال إلى البيع والتصدير لاحقًا.

وفِي نقاط البيع، بمختلف الدكاكين والمعارض بالسوق، توضع الأواني والمنتجات في رفوفها بعناية فائقة، وتقدم للزبائن بشكل فردي أو بالجملة.

ويستقطب السوق عادة زائرين من مختلف دول العالم، لكونه يقع في منطقة حيوية، وحتى في برد الشتاء لا تخلو الحركة في السوق، مع استقبال إسطنبول زائرين وسائحين في كل فصول العام.

الشاب آدم صوي دوغان، صاحب شركة "بولوط هوم" بسوق النحاسين، يعمل في النحاسيات والفضة، ويقدمها لتنال إعجاب الزبائن، ويصدرها لبعض الدول العربية، حيث ورث المهنة عن أبيه وعائلته التي احترفتها على مدى 40 عامًا.

يقول صوي دوغان، للأناضول: "نسعى من أجل إسعاد الناس، بتلك المنتجات، والتعريف بالبلاد خارجيًا".

ويضيف: "هناك نحو 4 آلاف صنف وقطعة يتم إنتاجها تشمل جميع الحاجيات من الكؤوس والصواني وحاملات المصاحف والشمعدان، وأبارق الشاي، وأطقم الحمامات".

وفيما يخص التصدير للأسواق العربية، قال: "هناك اهتمام من المنطقة العربية - وخاصة دول الخليج - مثل قطر والإمارات والسعودية والبحرين، فضلًا عن لبنان".

ويوضح أن ما يلفت نظر الزبائن العرب، مجموعات الشاي والقهوة، وعلب السكر، وكؤوس العيران، والصواني التي يدخل فيها خشب شجرة الزيتون المعمرة".

ويشير صوي دوغان إلى أن تركيا تحظى بمكانة متقدمة في صناعة النحاسيات، ورغم أن سوق الصين في صناعة النحاسيات كبير للغاية، لكن الجودة غائبة حيث تسوّد القطع خلال عام أو عامين على عكس المنتجات التركية الجيدة.

وشدد على أن "الميزة الوحيدة للبضائع الصينية أنها رخيصة الثمن، لكن المنتجات التركية ذات جودة عالية للغاية، ويمكن استخدامها لفترة تصل إلى 20 عاما دون أن تتأثر، وهي مستخدمة لفترات طويلة ونحن نراهن على هذا".

كما أوضح أن اليد العاملة السورية دخلت في مجال صناعة النحاس بتركيا، فدعمتها بقوة.

وأعرب أن أمله في أن يتسع السوق بدرجة أكبر وأكثر في السنوات القادمة، ونهدف لمزيد من التوسع، وننتظر جميع الزائرين والزبائن.