​سرُّ نجاح المرأة استقلالُها نفسيًّا.. فكيف تحقّق ذلك؟

غزة / القاهرة - حنان مطير

كل البحوث والدراسات تقريباً تُجمِع على أن النساء في كل البلدان ينعمن بأعمار أطول من الرجال، بفارق يقارب "10-15 سنة" ولكن هل كل من يعيش فترةً أطول هو الإنسان الأسعد؟ الدكتور أحمد الشريف مستشار العلاج النفسي وعضو الجمعية العالمية للصحة النفسية يوضح أن العمر لم يكن في يومٍ من الأيام مجرد رقم، ولو كان كذلك لكانت النساء حقًا أسعد، وبالرغم من أن النساء يعشن أطول من الرجال وفق غالبية الدراسات إلا أنها تمرض جسديًا أكثر من الرجال، وتلك الأمراض الجسدية سببها الضغوط النفسية التي تعانيها دون الرّجال.

وحول هذا يقول لـ"فلسطين":" هناك من النساء من تُمضي حياتها وتعيشها وهي بالحقيقة ميتة، كأن تعيش حالة من الطلاق العاطفي أو الصامت، فتكون متزوجةً أمام الناس، لكنها محرومةٌ من الشعور بالعاطفة وتتمنى الخروج من السجن الذي تعيشه لكنها لا تملك أن تُحقّق ذلك لأسباب مجتمعية ونفسية كثيرة جدًا".

ويضيف: "النساء اليوم تشتكي من الأمراض من بداية الأربعينيات على عكس النساء قديما اللواتي كُنّ يمرضن من بعد الخمسينات، وبعض النساء اليوم تشتكي من أمراض ومشاكل عضلية ومفصلية ومشاكل في الجهاز الهضمي والعصبي من العشرينات".

وكانت الجمعية الأمريكية لعلم النفس –وفق د. الشريف- قد استنتجت من دراساتها وبحوثِها أنّ النساء أكثر عرضة للإصابة بأربع اضطراباتٍ نفسية وهذه الأمراض هي القلق والاكتئاب، والوساوس، والفوبيا بأنواعِها، واضطرابات الأكل، فمن بين 100 امرأة هناك 5 نساء يعانين من تلك الأمراض الأربعة، "في حين أن النساء أقوى من الرجال جسديًا، بالرغم من وصف الرسول عليه الصلاة والسلام لهن بأنهن "القوارير"، ويكفيها أنها قادرة على تحمل مشقة الحمل والولادة والرضاعة، والمرأة مثلًا تذهب مثل الرجل لعملها خارج البيت، هي تعود من العمل لتعمل في البيت بينما هو بالغالب يعود ليرتاح وينام، ثم يأكلان فتكمل من بعد تناول الطعام عملها، وهو يكمل من بعد الطعام استراحته وهكذا.." والحديث للدكتور هارون.

ويوضح: "لكن النساء يمررن بضغوط نفسية تؤثر عليها أكثر بكثير من الرجال، وتجعلها عرضةً للأمراض الجسدية، ولذلك فإن المرأة بحاجةٍ لما يسمى بـ"المناعة النفسية"، كي تقي نفسها من الأمراض الجسدية".

التقدير وعلاقته بالمناعة النفسية

هذه المناعة النفسية تقلّ في ظروف معينة وتزيد في ظروف أخرى وأول ما يقللها "الشعور بعدم التقدير"، إذ يعبر د. الشريف:" إن كثيرًا من النساء إن لم تشعر بالتقدير من قبل الأزواج فإنها أمام ما تقدمه من أعمال وتضحيات تتعرض لحالة تُسمى "الحساسية الزائدة"، فتتحول حينها لشخصيةٍ شديدة التوتر.

وهذا التوتر بدوره يؤدي لأعراض نفس جسدية، تظهر إما كأمراض في الجهاز العصبي فتجدها تعاني من صداع مزمن معلوم أو غير معلوم سببه، أو في الجهاز الهضمي كانتفاخ القولون ومشاكله، أو أمراض في الجهاز التنفسي".

ويقول: "وبالتالي فإن المرأة تحب أن تشعر بأنها مقبولةٌ من قبل زوجِها، وقد تشعر بذلك في أقل التفاصيل التي لا تُكلّف الرجل وقتًا ولا جهدًا، كسماع كلمة "سلمت يداكِ.. يعطيكِ العافية.. ما أحلى رائحة الطعام"، وعلى النقيض فإنها تشعر بأنها غير مقبولة بجملة واحدة يكررها الرجال في مجتمعاتنا العربية "أنت ماذا تفعلين طول اليوم؟"، وهي بالحقيقة وفي الغالب لم تكن قد ارتاحت في بيتِها لحظةً ما بين أعمال البيت ومتابعة الأبناء وغيرها، وقد يكون ذلك سببًا فيما بعد لانزوائها وإهمالها لكل الأمور التي لم يشعر بأهميتها الرجل".

ويضيف:" تتراكم المواقف المحبطة عند المرأة من العمل والبيت والأبناء والمطبخ والزوج.. إلخ حتى تصاب بتلك الأمراض النفسية السابقة ومن ثم الجسدية".

ويتابع:" كثير من النساء تقرر الطلاق بعد أن يمرّ العمر وتصاب بأمراض عديدة ويكبر الأبناء ويتزوجوا، وحين تُسأل عن سبب اتخاذ هذا القرار في آخر العمر، فإن الإجابة تكون "من أجل الأبناء ومن أجل تحقيق ما هم عليه اليوم"، فيكون اتخاذها لهذا القرار ليس لأسباب اجتماعية أو اقتصادية كما يصور الإعلام، إنما لشعورها بعدم التقدير، فهي تضرب كل ما تملك بعرض الحائط لتنجو بنفسِها وما تبقى من عمرها لأنها لم تكن تشعر بالتقدير، ومن أجل شعورها بإهانة كرامتِها".

ويوضح د. الشريف أن الخيانة الزوجية أيضًا أحد أهم أسباب شعور المرأة بعدم التقدير وهذه الخيانة للأسف التي ازدادت في ظل انتشار الوسائل الإلكترونية اليوم، تقدر المرأة على اكتشافها أكثر من قدرة الرجل عليها بثلاثة أضعاف، من خلال مهارة اكتشاف وتحليل لغة الجسد لديه، فالمرأة قد تقبل أي شيء إلا إهانة كرامتها وعدم تقديرها، وبالرغم من الإحباط والاكتئاب الذي تعانيه كثير من النساء في مجتمعنا العربي إلا أن الكثيرات منهن يحافظن على الابتسامة، وهذا ما يسمى بالتكوين العكسي، والذي بدوره يزيد المرض لديها كما يقول د. الشريف.

أخطاء التفكير

ومن الأسباب التي تقلل المناعة النفسية عند المرأة أيضًا انتشار التفكير الخاطئ والتشوه العرفي، -والحديث للدكتور الشريف- حتى في الدعوات يضخمون فيها الرجل والزوج فاعتدنا أن نسمع الكل يقول "الله يسعدك" والمقصود بالسعادة في كثير من المواقف "الزواج"، ويقولون للطفلات سواء على سبيل المزاح أو الجدية:" يارب تكبري وأشوفك عروسة"، وللصبية "يارب تفرحي مع عريسك"، و"يارب تكوني مرتاحة وأنتِ ببيتك"، وكأن الفتاة لن تنجح إلا بالزواج وبالأمومة!".

ويضيف:" أما الرجل فوفق المجتمع لا يعيبه شيء، وعند الكثيرين لا يعيبه إلا جيبه، في حين أن الحقيقة ووفق الشرع فإن كل شيء يمكن أن يعيب الرجل عدا جيبه الذي قد يمتلئ يومًا وحتى إن لم يمتلئ"، وظل راجل ولا ظل حيطة، وغيره من المقاييس المجتمعية الخاطئة".

ويواصل:" هذا بحدّ ذاته يشعر المرأة بقلة أهميتها وأنها لا قيمة لها إلا بجوار الرجل، ما يؤدي إلى قلة مناعتها النفسية حين تشعر ببُعده".

كيف تستقلين نفسيًا؟ ولكن لو أنّ المرأة استقلّت نفسيًّا فإنها ستُهمّش كل الظروف التي تضعف من مناعتها النفسية، بل إن استقلالها النفسي هو ذاتُه قوة في المناعة النفسية التي ستنعكس فورًا على صحتها الجسدية كما يوضح د. الشريف.

فكيف إذن يمكن للمرأة أن تكون مستقلةً نفسيًا؟ يجيب :"لو استشعرت المرأةُ مكانتها العظيمة وأهميتها الكبيرة منذ بداية خلقِها، لما مرضت نفسيًا أبدًا، فحين خلق الله تعالى آدم عليه السلام، وشعر آدمُ حينها بالوحدة فإن الله تعالى لم يخلق له مجموعة من الأصدقاء أو الأحباب يشدون من أزره أو أناسًا يحكمهم مثلًا، إنما خلق له امرأةً واحدة فقط وهي "حواء"، إذن فمنذ ولدت المرأة وهي سند وسكن للرجل، فمن كانت أختًا أو زوجة أو أمًا .. إلخ، فهذا بحدّ ذاته مكسب للرجل".

ويقول:" ولو تأملَت المرأة تاريخ حياتها فهي منذ ولادتها طفلةً قرة عين لوالديها، وفي شبابها تكمل دين زوجِها، وفي أمومتها كانت الجنة تحت أقدامِها، فإن مراحل حياة المرأة كلها إنجاز، وهذا بحدّ ذاتِه داعم نفسي كبير للمرأة من الله تعالى، ومن يدعمه الله تعالى هي ينتظر دعمًا من بشر؟".

"والأمر المهم للغاية في استقلال المرأة نفسيًا أن تُقدر ذاتَها بذاتِها، فلن يقدر المرأةُ أحد إلا بمقدار تقديرها لذاتِها، ومهما أنجزت المرأة ولم يرَ الناسُ إنجازَها فهي بحاجةٍ لاستشعار إنجازِها قبل أي أحد، استشعاره بنفسِها، وشكر نفسها على ذلك الإنجاز وعلى تحملها لكل العقبات التي مرّت فيها وعلى همّتها في إكمال الإنجاز والاستمرار".. يضيف.

ويتابع:" لوكنتِ طالبةً مثلًا في المرحلة الثانوية وتعانين من الضغوط الكثيرة في الدراسة والامتحانات وغيرها، فلتضعي في ذهنك بأن هذا الضغط الذي تعانيه اليوم هو أخفّ ضغطٍ ستمرين به".

"ولو كنتِ في بداية حياتك الزوجية ولديك بعض الضغوط تمرين بها، كعدم فهم الزوج لك، فلا تكملي حياتك بتلك الطريقة ولا تستمري بالتنازل لأنه سيأتي يوم لن يرى فيه أن ما تقومين به تنازلًا إنما سيرى أنكِ لم تسمعي كلامه ولم تفهميه أو تتعلميه، وتكونين حينها المُلامة والمخطئة، فلا تتركي الأخطاء على ما هي بل صححيها منذ بداية حياتك الزوجية، حتى لو تطلب الأمر منك الذهاب لمستشار نفسي وتربوي حتى تستمر حياتكما بالشكل السليم وتضعيه معه الأعمدة الثابتة ثم تعيشين حياة نفسية سوية". يواصل د. الشريف.

ويشدّد بنصيحته :"اهتمي بنفسِك ولا تنتظري اهتمام الآخرين بك، ولا تفكري في تقديم كل شيء للطرف الآخر، أسعدي نفسك أولًا ثم بسعادتك ستتمكنين من تصدير السعادة إلى الآخرين، ولا تتركي نفسك للاحتراق، والاستنزاف".

الرؤية والهدف

ويكمل:" الكثير من النساء حين تُسأل في سن كبيرة عمّ كان يدور في عقلها الباطني من أحلام وأمانٍ تحلم وتفكر بها، فتكون إجابتها أن تُقابَل وتُعامَل بمثل ما قدّمت، لكن هذا لا يحدث بالغالب، فالأبناء يتزوجون ويكوّنون أسرًا وحتى الزوج قد يتزوّج أو يعرضها بطريقة أو بأخرى للإهمال، وهنا تكمن ضرورة الاستقلال النفسي للمرأة".

ويؤكد خاتمًا ضرورة أن تفرق المرأة بين أمرين وهما "فرقي بين أهدافك ورؤيتك، فجميل أن يكون لك هدف واضح بعد الزواج تحديدًا كأن تكوني امرأة مطيعة لزوجك حنونة على أولادك، مربيةً لهم أفضل تربية، بل إنك تؤجرين على ذلك عند الله تعالى، لكن لا تنسي أن تكون لكِ رؤية خاصة مستقلة عن كل من حولك، فتلك ستكون سببًا في صفائك النفسي وصحتك النفسية والجسدية".