​صرخة أم: في هذا البرد القارس كيف يبدو حال طفلي الأسير؟!

القدس المحتلة- غزة/ رنا الشرافي

لعلك لم تسمع من قبل عن شادي فراح ابن الـ(14) ربيعًا، أو أنك لم تعرف بعد الفصول الكاملة لقصته، إليك إذًا هذه التفاصيل:

فراح هو أصغر أسير فلسطيني عقد له الاحتلال محاكمة، وقد اعتقل في نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2015م وهو عائد من مدرسته بزعم حيازته سكينًا، ولا يزال حتى اللحظة خلف القضبان، فبحقه صدر حكم بالسجن مدة سنتين، دون احتساب السنة التي قضاها في الأسر وهو ينتظر محاكماته المؤجلة.

"بفكر في هذا البرد ابني يلي كنت مدللته بردان أو جوعان، كيف صار يغسل تيابه ويحضر أكله وينام على مخدة معفنة جوات السجن؟!" بهذه الكلمات تبدأ فريهان فراح والدة الأسير شادي حديثها إلى صحيفة "فلسطين"، معربة عن قلقها الكبير على طفلها الذي غدا رجلًا قبل الأوان.

ثيابه ما عادت تحوي جسده الذي كبر داخل الأسر كما كبرت أحلامه وطموحاته، ونبرة صوته بدت أكثر صلابة من نعومة صوت طفل مدلل كان أكبر همه توفقه المدرسي الذي كان يحققه كل عام.

لم يعد شادي يتدلل على أصناف الطعام المتاحة أمامه، بل لم يعد أمامه طعام ما لم يحضره بنفسه، ولا يمكنه أن يرفض ارتداء قميص لم يعجبه؛ ففي سجن الاحتلال سيرتدي ما يجد، كيفما كان ما وجده، بل إن عليه أن يغسل ثيابه بنفسه، إن أراد أن يلبس ثيابًا نظيفة، وعليه أن يرتبها بنفسه؛ فـ"ماما" ليست موجودة هنا لتعتني به وبأشيائه جميعًا.

كذلك لم يعد بإمكان شادي اللعب مع رفاقه، فهو أسير لدى الاحتلال، حتى لغته العربية لم يعد يسمعها أو يقرؤها إلا في الكتب التي تستطيع والدته إدخالها له، فمن حوله جميعًا من الأحداث هم مجرمون إسرائيليون يتحدثون بالعبرية.

حتى إن المنهاج الذي يدرسه في داخل الأسر منهاج إسرائيلي، يروج لرواية الاحتلال وتاريخه المزور، لكن والدة شادي مطمئنة على هويته الوطنية التي طالما حاولت غرسها فيه حتى وهو داخل سجون الاحتلال.

40 دقيقة

لا يسمح الاحتلال لوالدة شادي وأشقائه بزيارته إلا مدة 40 دقيقة بواقع مرة أسبوعيًّا، وهو الوقت الذي يمضيه الطفل برفقة ذويه، ومنهم شقيقه الأصغر الذي بلغ من العمر 4 سنوات، وطالما سأل والدته عقب كل زيارة: "ليش شادي ما روح معنا؟!".

عن تفاصيل تلك الزيارة تقول فراح: "إنه لا وصف يسعف شاعرًا، ولا عبرات تطفئ حرقة أم ترى طفلها ولا تستطيع اصطحابه معها إلى المنزل".

"ماما اخطفوني وروحوني معكم" قالها ممازحا والدته، لكن تلك المزحة مزقت قلبها الحنون، فأي أم باستطاعتها أن تترك طفلها مع الجنائيين الإسرائيليين وتغادر إلى منزلها؟!، وأي أم تستطيع أن تنام ليلتها ولا تعلم أقلبه دافئ أم يرتجف من البرد؟!

تنهض من سريرها لتتفقد أطفالها، أما شادي فهل تكفي أمنياتها ودعواتها ليلتحف بها، لتطمئنه، لتشرح له مسألة صعب عليه حلها؟!، ألا تستطيع تلك الأم أن تعيش حياتها الطبيعية؟!، وألا يستطيع ذلك الطفل الذي "هرم" في السجن أن يعيش كباقي أطفال العالم في حضن والدته ودفء يديها على خديه؟!

وتقول الوالدة: "إن شادي هو نموذج للطفل المقاوم الذي مر بظروف اعتقال صعبة، ومع ذلك تعلم داخل سجن الاحتلال وحصل على معدل 98%، وهو واعٍ سبق سنه بسنوات"، مضيفة: "يمنحني القوة، ويطلب مني أن يعرف العالم أنه مظلوم، وأن أسره الذي حرمه عالمه وطفولته كان نتيجة محض افتراء".

وتتابع: "نحن المقدسيين في خط الدفاع الأول عن القدس، وما يدفعه أطفالنا ونساؤنا وشبابنا من أعمارهم في الأسر ومن دماء الشهداء هو فاتورة لكرامتنا".

وتدعو إلى التضامن اليومي مع الأسرى والشهداء، وليس في المناسبات فقط، مطالبة وسائل الإعلام والسلطة الفلسطينية بإيلاء قضيتهم اهتمامًا أكبر.

وتمضي الأم قائلة: "كل بيت فلسطيني عرضة لأن يكون فيه أسير، أو شهيد أو جريح، هذه حياتنا".

وعن سؤال عن بداية السنة الثالثة لشادي في الأسر تجيب: "الانتظار صعب، لا تطلب من أم أن نتنظر عامًا كاملًا حتى توقظ طفلها للذهاب إلى المدرسة، أو أن يجلس إلى مائدة الطعام بعد أن حضرت له الصنف الذي يحبه".

وتختم: "في حياتنا الكثير والكثير من التفاصيل التي أفتقد فيها شادي في كل لحظة، أشعر بأن كل يوم هو سنة كاملة، ومع ذلك أحمد الله على أن شادي لا يزال حيًّا يرزق ويتنفس، وأفكر في أمهات الشهداء اللواتي فقدن أبناءهن".