إقرأ المزيد


صناعة "المواقد" حرفة تزدهر في فصل الشتاء

غزة - عبد الرحمن الطهراوي

يمسك الفلسطيني يوسف الخطيب مضربًا حديديًّا ذا مقبض خشبي (شاكوش) ليضع اللمسات الأخيرة على موقد جديد للنار، قبل أن يعرضه للبيع أمام مدخل محله في سوق فراس الشعبية وسط مدينة غزة.

ومرت 30 عامًا على العم أبي حازم (في مطلع عقده السادس) وهو يعمل في حرفة صناعة مواقد النار، التي تشهد نشاطًا نسبيًّا خلال فصل الشتاء من كل عام، نظرًا لإقبال المواطنين الغزيين على اشتراء تلك المواقد لإشعال الحطب والفحم فيها بغية الحصول على التدفئة المرجوة.

وتساهم أزمة انقطاع التيار لكهربائي ساعات طويلة تصل إلى أكثر من 12 ساعة يوميًّا في زيادة الطلب مواقد النار (الكانون) المجهزة يدويّاً وآليّاً داخل ورش متخصصة بالحرفة تلك، أو في معامل الحدادة المنتشرة في مختلف أرجاء القطاع.

"مواقد النار وسيلة بدائية للحصول على الدفء وبديلة _وإن مؤقتًا_ عن وسائل التدفئة العاملة بالكهرباء" يقول الخطيب، بعدما يتفحص بنظراته الحادقة سلامة الموقد الذي أنهى تجهيزه للتو بحرفة عالية.

ويضيف الخطيب لمراسل صحيفة "فلسطين" الذي زاره حيث مكان عمله في السوق الشهيرة: "بدأت أتعلم مهنة صناعة المواقد الحديدية أولاً ثم النحاسية ثانياً عام 1987م، وبعد ذلك ببضع سنواتٍ قليلة أتقنت كل فنون المهنة ذاتيًّا ثم افتتحت هذا المحل".

ويحتاج الزبون إلى صعود أربع درجات إسمنتية قبل الدخول إلى ورشة العم أبي حازم، التي تنتشر في جنابتها منتجات نحاسية مختلفة الأشكال والأحجام والاستخدام أيضًا.

ويصل الرجل الخمسيني إلى ورشته عند الساعة السابعة والنصف صباحاً قادماً من منزله في حي الصبرة، جنوبي مدينة غزة، ويعاونه في عمله الذي يجمع بين المتعة والمشقة بعض أقاربه، ومنهم ابنه الأكبر حازم (34 عامًا).

ويقول حازم لصحيفة "فلسطين": "أحببت هذه المهنة منذ الصغر، وبعدما أنهيتُ دراسة الثانوية العامة التزمت العمل في الورشة ومساعدة والدي"، مشيراً إلى أن ساعات العمل ترتبط ارتباطًا أساسيًّا بوصل التيار الكهربائي.

ويضطر الخطيب بين الحين والآخر إلى تشغيل المولد الكهربائي لتسيير شؤون عمله وطلبات الزبائن، الأمر الذي يؤدي إلى رفع التكلفة الإنتاجية وتقليل هامش الربح العام.

ويحدد سعر بيع موقد النار الواحد تبعًا لحجمه أولاً ثم مادة صنعه ثانياً التي تكون غالباً من النحاس المقوى أو الحديد الصلب، وعلى إثر ذلك تتفاوت أسعار البيع من 20 شيكلًا إلى 55 شيكلًا (الدولار يعادل 3.84 شيكل).

وتواجه مهنة صناعة مواقد النار تحديات متعددة، بعضها محلي مرتبط بأزمة الكهرباء، وأخرى ناتجة عن الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع الساحلي منذ منتصف عام 2007م.

مشكلة ذات حدين

وعن ذلك يقول الحرفي زكريا أمير: "يمنع الاحتلال إدخال عدة أصناف من الحديد ذي الجودة العالية، الذي كان يستخدم سابقاً في صناعة المواقد بأنواعها، ويُورد نوعياتٍ محددة لا تناسب بدرجة كبيرة احتياجات حرفي المهنة، ولكنها تفي بالغرض".

ويبين أمير لصحيفة "فلسطين" أنه كان يُباع سابقًا الكيلو الجرام الواحد من الحديد بقرابة أربعة شواكل، أما اليوم فوصل الثمن إلى الضعفين، إن توافر الحديد، ما زاد من إجمالي التكلفة على كاهل صاحب الورش، وأيضاً خفض من أجرة العامل اليومية أو الشهرية.

ويلفت إلى أن مشكلة انقطاع الكهرباء هي التحدي الأكبر الذي يواجه صانعي المواقد، وبسبب ذلك يربط عمله اليومي في ورشته الصغيرة بساعات وصل التيار، وإن عاد في ساعات متأخرة بالمساء.

ويشير أمير إلى أن المشكلة نفسها تعد سبباً لازدهار المهنة في فصل الشتاء، إذ يقبل المواطنون على اشتراء مواقد النار قبل دخول الفصل البارد أو خلال المنخفضات الجوية الحادة، وذلك في ظل تعطل وسائل التدفئة الحديثة.

ويعاني سكان القطاع أزمة حادة بسبب انقطاع الكهرباء، بدأت عقب قصف الاحتلال محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة عام 2006م، إضافة إلى استهداف مخازن الوقود في الحرب الإسرائيلية الأخيرة، قبل أكثر من عامين.

تحرير صحفي: هديل عطا الله