37
إقرأ المزيد


​سلام إليك يا غزة الحبيبة

مواطنون يشعلون شموعاً بدل الكهرباء في خانيونس (أ ف ب)
بقلم / د.زهرة خدرج

أيتها العزيزة على القلب، القريبة من الروح، أحمل لك جميع كلمات الحب والتقدير والاحترام والإجلال، وأقدمها لك على أكف الأطفال الذين نعدُّهم قادة المستقبل الذين سيأتون لفك حصارك، وفتح القدس وتحرير كامل التراب الفلسطيني، أيتها الحرة في زمن عز فيه الأحرار، والأبية في زمن الذل، والشامخة في زمن العبيد الذين أحنوا رؤوسهم وظهورهم حتى لامست موطئ أقدامهم لخوفهم من خوض غمار مجهول يحمل البشرى في ثناياه، واستكانوا أمام ما ألفوه، فاعتلى السادة ظهور العبيد واقتادوهم كما يقتاد الراعي دابته، فبقى بذلك العبيد عبيدًا، والسادة سادةً.

أيتها الغالية التي تتجرع ثمن عزتها وكرامتها جوعًا وبردًا وظلامًا وحصارًا ومرضًا وانعدامًا لكل مقومات الحياة، سلامًا عليك، وسلامًا إليك، يا من بعثت الأمل في النفوس، فأنت أكدت لنا أن الدنيا مازالت بخير، وأن قاعدة الركوع لا تسري على الجميع.

نحبك يا غزة، نحب الصامدين فيك، المرابطين على الثغور، المجاهدين بكل ما يملكون، وهل هناك أثمن من الروح التي يبذلونها رخيصة في سبيل الله؟!؛ فسلامًا إليك يا غزة، سلامًا لترابك الطاهر، سلامًا لبحرك، لشواطئك، لسهولك، سلامًا لأهلك، لأطفالك، لرجالك، لنسائك، سلامًا لكل من يتنفس هواءك، ويدب على ثراك، سلامًا لمن رووا بدمائهم أرضك، فاحتضنهم باطنها كطفل ينام نومًا هانئًا في حجر أمه.

أعتذر إليك _يا غزة_ عن نفاق العالم الذي يصف نفسه بالديموقراطي المتحضر، الذي يثير ضجة كبيرة لأشياء تمس مصالحه وأصدقائه، ويصمت كالقبور عن أشياء أخرى أكثر خطرًا وفتكًا ببني الإنسان ولكنها بعيدة عن مصالحه، فيموت المسحوقون المضطهدون جوعًا أو بردًا تحت حصار ظالم، أو قصفًا بصواريخ مجنونة، وقنابل فسفورية، أو تحت ركام المنازل، أو مرضًا داخل زنازين مقيتة، أو اغتيالًا في وضح النهار ... إلخ من المشاهد التي تقشعر لها الأبدان، أمام عدسات الكاميرات التي تبث صورها فتصل إلى مرأى ومسمع العالم أجمع، دون أن نجد في هذا العالم من يقف لمحاسبة من يُنصِّب نفسه قاضيًا يصدر أحكام الإعدام، وينفذها في لحظات بل في لحظة واحدة عندما تتوافر الشبهة لديه فقط.

في زمن العار هذا اختلطت الأمور وبهتت الرؤية أمام الكثير من الناس، وانحسرت الخيارات، وضاقت الأرض على أهل الحق وأصحابه، حتى باتت كأنها سم خياط يصعب عليهم الولوج منها. في هذا الزمن لم نعد نمتلك إلا دعاء الله، والتوجه إليه بالابتهال وطلب الفرج منه، والتزام ما يرضي الله والتمسك به، والقول كما قال رسولنا الكريم: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت ربي ورب كل المستضعفين، إلى من تكلني؟، إلى بعيد يتجهمني؟، أم إلى عدو ملكته أمري؟، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي".