إقرأ المزيد


صلاح ضد ميسي ورونالدو.. أوهام على أرض الواقع

لندن - فلسطين اون لاين

هي حكاية لن نمل أبدا من روايتها، عن هذا الشاب الذي شق طريقه من إحدى قرى مصر إلى صدارة صحف العالم، بقدر ملحميتها وخصوصيتها لدى العرب بوجه عام والمصريين بوجه أخص، إلا أن تلك النقطة العاطفية لم تعُد موضع حديث الساعة الآن، فما بات أمامنا لم يعُد محترفا نتلمس أخباره ونتمنى تألقه في نادٍ متوسط على أمل انتقاله إلى نادٍ أكبر، مَن أمامنا هو هداف الدوري الإنجليزي والمرشح الأبرز لجائزة لاعبه الأفضل حتى إشعار آخر.

أسطورة محلية قادت منتخب مصر إلى كأس العالم بعد انتظار دام لـ 28 عاما، هذا الأمر لم يعُد كافيا ليكون العنوان الأول فهو لم يعُد فخرا لنا وحدنا بعد اليوم. مدينة إنجليزية من قلاع كرة القدم في العالم يسير فيها الآن ملكا، جماهير واحد من أعرق فرق أوروبا وأكثرها تتويجا بالألقاب تتغنى باسمه ليلا ونهارا، تقارير صحفية تربطه بالانتقال إلى ريال مدريد، بالطبع هو ليس أول لاعب مصري يرتبط اسمه بالملكي، ولكنه الوحيد الذي لديه أرضية من المنطق تجعل الخبر قابلا للتصديق.

بلغة الأرقام

يمتلك صلاح 28 هدفا و9 تمريرات حاسمة في 30 مباراة مع ليفربول بالدوري، كما سجل 36 هدفا بجميع المسابقات، وهو الرقم القياسي في ناديه بالتساوي مع روبي فاولر (95-96)، بالمناسبة سجل فاولر نفس الرقم في البريميرليغ (28 هدفا)، ولكن الفارق أن انفراد صلاح بهذا اللقب بات مسألة وقت، حيث يبقى له 7 مباريات في الدوري بجانب مباراتين -على الأقل- في ربع نهائي دوري أبطال أوروبا قابلة للزيادة حتى 5 حال بلوغه النهائي (9 إجمالا قابلة للزيادة حتى 12).

تلك المباريات السبع في الدوري قد تشهد تسجيل رقم تاريخي جديد، هو الهداف التاريخي للبريميرليغ في موسم واحد. بنظام 22 فريقا الذي انتهى ببداية موسم 95-96، يحتل الثنائي أندي كول (نيوكاسل يونايتد 93-94) وآلان شيرار (بلاكبرن روفرز 94-95) صدارة الترتيب بـ34 هدفا لكل منهما. أما بنظام الـ20 فريقا فإنه لا يفصله سوى 3 أهداف عن الثلاثي آلان شيرار من جديد (بلاكبرن 95-96) وكريستيانو رونالدو (مانشستر يونايتد 07-08) ولويس سواريز (ليفربول 13-14) ولكل منهم 31 هدفا.

إذا كنا نتحدث عن لاعب يفصله هدف عن تحطيم الرقم قياسي لهداف ناديه في موسم واحد، و4 عن الرقم القياسي لهداف ناديه في الدوري بل وهداف الدوري عموما بنظام 20 فريقا، و7 عن الرقم الأكبر منذ انطلاق المسابقة، ويدين له فريقه بأغلب الفضل في ترتيبه الحالي وموقعه بين ثمانية أوروبا الكبار، فما الذي ينقصه ليفوز بجائزة أفضل لاعب في البريميرليغ؟ وما الذي يمنع وجوده في قائمة المرشحين للكرة الذهبية بل وفي القائمة النهائية المكونة من 3 لاعبين؟

صلاح ضد صلاح

أفضل اللاعبين في العالم هم هؤلاء القادرون على منافسة وتحدي أنفسهم قبل أقرانهم، وهو أمر واضح للغاية في مسيرة صلاح الأوروبية، فمن نجم بازل السويسري إلى الإحباط في تشيلسي، ومن تصحيح المسار في فيورنتينا إلى معاودة التألق من جديد مع روما، وصولا إلى تلك النسخة المتوحشة التي نشاهدها الآن مع ليفربول.

هوجم المصري كثيرا لاعتماده المفرط على سرعته التي تجعله فتاكا في المساحات وقليل الفاعلية في المباريات المغلقة، ولكن هذا القالب تحطم خطوة أخرى في العاصمة الإيطالية تحت قيادة لوتشيانو سباليتي، الذي أكسبه مرونة كبيرة أدخلته في مصاف الكبار، وصقلت ما لديه من إمكانات فنية وذهنية. صلاح الذي نراه اليوم هو ليس هذا العداء الذي انتقدوه سابقا، بل عداء وهداف ومراوغ وممرر صاحب رؤية، ما الذي يثبت ذلك أكثر من إسناد مانشستر يونايتد إلى لاعب يلازمه كالظل ويعاونه على الأقل لاعب آخر في كل موقف هجومي؟

باسترجاع شريط الأحداث، لم يكن الجناح الهجومي أولوية قصوى لتشكيل ليفربول مطلع هذا الموسم، ورغم هذا راهن يورغن كلوب على استقدام المصري مضحيا بمراكز أكثر حاجة إلى الدعم، نقل ماني إلى اليسار لأجله وكانت النتائج باهرة، فالصفقة الخاطئة قد أثبتت أنه لا صحيح سواها.

تطوَّر صلاح في روما على أغلب أصعدة صناعة اللعب نظرا لمشاركته إلى جانب رأس حربة صريح وظيفته الرئيسية هي التسجيل هو إدين دجيكو، فشاهدناه في موسم 15-16 يصنع 63 فرصة (57 تمريرة مفتاحية و6 تمريرات حاسمة)، الرقم الذي تطور في الموسم التالي إلى 71 فرصة (60 تمريرة مفتاحية و11 تمريرة حاسمة)، ولكن في ليفربول كان الوضع مختلفا تماما، صحيح أن أرقام الصناعة قد شهدت تراجعا نسبيا بـ 52 فرصة حتى الآن (43 تمريرة مفتاحية و9 تمريرات حاسمة)، إلا أن التعامل مع الشباك قد اختلف شكلا وموضوعا.

52% - 53% - 61%: هي نسب دقة تسديد صلاح على المرمى من مجموع تسديداته للمواسم الثلاثة الأخيرة على الترتيب، يقولون إن كثرة الفعل قد تؤدي إلى كثرة الخطأ بطبيعة الحال، ولكن ارتفاع عدد تسديدات صلاح من 60 و64 مع روما إلى 93، قد صاحبه ارتفاعا في دقة التسديد ومعدل تحويل التسديدات إلى أهداف، بجانب قفزة عدد الأهداف نفسه من 14 و15 إلى 28. بكلمات أكثر اختصارا: ازدادت تسديداته إلى 150%، ولكنه سجل منها 200%.

من العوامل المُسهمة في ذلك هو تغيُّر نوعية المهاجم المجاور له (روبرتو فيرمينو)، حيث تحوَّل صلاح إلى وسيلة تسجيل الأهداف وحسم المباريات، إن لم يكُن بإنهائه لتمريرات الزملاء فسيكون بتصرف فردي خالص تماما كما شاهدنا أمام واتفورد. أيضا في تلك المواسم الثلاثة وإن شهدت تراجعا في نسبة دقة التمرير (83% - 80% - 77%) على الترتيب، فقد شهدت ارتفاعا في نسبة التمرير الأمامي (43.1% - 45.4% - 48.4%) مُبرهنة على مدى التطور الإيجابي للظاهرة المصرية.

صلاح ضد البريميرليغ

يُنافس صلاح على جائزة الأفضل اسمين رئيسيين هما هاري كين مهاجم توتنهام هوتسبر وكيفن دي بروين نجم وسط مانشستر سيتي. تعرض كين لإصابة قضت على ما تبقى من الموسم بل وتهدد مشاركته بكأس العالم في الصيف، الأمر الذي يُضعف حظوظه في الاستمرار بهذا الصراع ويقضي رسمياً على آماله في التتويج بجائزة الهداف أيضاً، ولكن لضمان العدالة، أجريت المُقارنة التالية باستبعاد آخر مباراة لصلاح التي سجل بها سوبر هاتريك في شباك واتفورد، ليصبح لكل منهما 29 مشاركة و24 هدفاً.

مهاجم وجناح اقتتلا لأجل لقب الهداف ومن المفترض أن يمتلك المهاجم الأفضلية هنا نظرا إلى كونه أقرب إلى المرمى، ولكن صلاح قد هزمه في لعبته حيث تفوق عليه في كل شيء تقريبا عدا تنوع حلول التسجيل. فبينما اقتسمت قدما كين 18 من أهدافه بالتساوي بالإضافة إلى 6 أهداف بالرأس، تتصدر يسرى صلاح قائمة أهدافه بـ 21 مقابل 2 لليمنى وهدف بالرأس. يملك المصري معدلاً أفضل لتحويل الفرص إلى أهداف بـ27% مقابل 20.2%، من عدد تسديدات أقل (89 مقابل 119) وبدقة تسديد أكبر على المرمى (60% مقابل 56%)، إلى جانب تفوقه الواضح في صناعة الفرص بـ 41 تمريرة مفتاحية و8 تمريرات حاسمة، مقابل 25 تمريرة مفتاحية وتمريرتين حاسمتين للمهاجم الإنجليزي.

بالانتقال إلى دي بروين البعيد تماما عن سباق الهدافين بـ 7 أهداف، وبعدد التسديدات الأقل (67)، وبمعدل التحويل الأسوأ بينهم جميعا (12.3%) رغم جودة دقة التسديد على المرمى بـ 60%، نجد للبلجيكي جوانب تفوق أخرى ودور مؤثر في فريقه متصدر البريميرليغ أو بطله بالفعل، فالأمر لا يتعدى كونه مسألة وقت، وكلها عوامل منطقية تبقيه في السباق -الذي يتقدمه صلاح حتى الآن- كون جائزة "اللاعب الأفضل" مختلفة تماما عن الهداف أو الأفضل أمام المرمى.

بطبيعة الحال دقة التمرير تميل إلى صالح دي بروين بـ 83% مقابل 77% مع الفارق الشاسع في العدد (2159 مقابل 802(، ورغم كونه في موقع أكثر تأخرا بخط الوسط وداخل منظومة استحواذ تتيح الكثير من إدارة الكرة وإرجاعها للوراء، فإن البلجيكي يتفوق في نسبة التمرير الأمامي بـ 58.4% (1261 تمريرة) مقابل 48.4% لصلاح (388 تمريرة). الفارق الرئيسي المرتبط بالأدوار هو في صناعة اللعب، وإن كان صلاح ليس بعيدا على مستوى التمريرات الحاسمة (14-9) لكن صدارة التمريرات المفتاحية تدين للبلجيكي وحده بـ 81 تمريرة.

سباق مشتعل بين الهداف الأفضل وصانع الألعاب الأفضل حتى الآن في الدوري الإنجليزي، وإن كان صلاح هو الأقرب فإن الفصل بينهما ليس بتلك السهولة التي قد يراها مناصرو أي منهما.

صلاح إلى "البالون دور"..

لا شك بأن النجم المصري قد قدَّم هذا الموسم ما يؤهله لدخول قائمة المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم بنهاية العام، إن حافظ على هذا المستوى بطبيعة الحال، فهذا الموسم قد منحه تقدما إحصائيا خارقا يُقربه من تلك المنطقة التي لا يدخلها سوى صفوة اللاعبين، فما سبق واعتبرناه وهما، أو مغالاة في أحلام المشجعين، صار الآن احتمالا واردا للغاية على أرض الواقع. مع حفظ فارق الاستمرارية ومدى الجودة المتعارف عليها سابقا لكريستيانو رونالدو وليونيل ميسي ونيمار، كونهم العناوين الثلاثة الأبرز في عالم الكرة، فإن المقارنة التالية ليست مقارنة لاعب بآخر، بل موسم بموسم.

يمتلك صلاح اليد العليا في معدل تسجيله للأهداف كل 90 دقيقة وفي معدل تحويل التسديدات إلى أهداف، ومن السهل التوصُّل إلى حقيقة أنه يتفوق إحصائيا على كريستيانو رونالدو في كل تلك الإحصائيات رغم ميل كفة عدد التسديدات إلى صالح الدون، باستثناء دقة التمرير وعدد التسديدات من داخل وخارج منطقة الجزاء، وحتى تلك الأخيرة تحديدا سجل منها صلاح 3 أهداف بينما لم ينجح كريستيانو بهز الشباك سوى داخل المنطقة.

جوانب التسجيل من خارج المنطقة وصناعة اللعب والمراوغات وعدد التمريرات تشهد تفوقا لنيمار يليه ميسي في أغلبها، ولكن هناك بعض الأشياء التي لن تُخبرك بها الأرقام، مثل تباين أدوار الرباعي بين الجناح الحاسم والمهاجم الصريح ومحرك اللعب، أن نيمار ينعم بالدوري الأسهل بينهم جميعا على صعيد التنافسية والفارق الفني بين فريقه والخصوم.

إن استمر الوضع على ما هو عليه فإن صلاح قد وضع قدما في قائمة الـ23، ولكن الفرصة لإزاحة أحد هؤلاء الثلاثة بالإضافة إلى عدد آخر من نجوم العالم المرشحين، ستتطلب المزيد من هذا الأداء في الدوري الأكثر متابعة بالعالم، أو ربما خطوة مستقبلية بالانتقال إلى برشلونة أو ريال مدريد، فهما -كما نعلم حتى إشعار آخر- الطريق الأقصر إلى تلك القائمة النهائية، ولكن فوق كل ذلك، الاستمرار على هذا النهج المتوحش في التطور، واكتساب كل ما يمكن اكتسابه من مهارات إضافية، وهو ما أثبت صلاح قدرته على الوفاء به.

المسألة لا تتوقف هنا، بل لا تزال مقرونة بالاستمرارية إلى نهاية الموسم الحالي وعبر النصف الأول من الموسم التالي، فالأمر لا يزال بيد الألقاب الممكن تحقيقها إلى جانب الضوء المُسلط على كأس العالم، علما بأنه وعلى الرغم من كون رونالدو هو الأقل رقميا بينهم هذا الموسم، فإن انتقال حصيلة أرقامه إلى شيء من الإيجابية نتج أغلبه في عام 2018، لذلك هو لا يزال فرسا قويا في سباق الجائزة التي تُمنح "سنويا" وليس "موسميا".

المصدر: الجزيرة