إقرأ المزيد


​سكان "الشاطئ" يلجؤون إلى الطرقات هرباً من حر "الأسبست"

غزة - عبد الرحمن الطهراوي

بالقرب من باب منزله المسقوف "بالزينكو" في أحد أزقة مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، يفترش الثلاثيني أبو يحيى موسى الذي كان جبينه يتصبب عرقاً بطانية صغيرة، يضبط الوسادة تحت رأسه ويستعد لأخذ غفوة قصيرة مستمتعاً ببعض نسمات الهواء البارد التي كانت تهب بين الفينة والأخرى رغماً عن أنف تصميم بيوت المخيم المتراصّة رصًا.

بعد لحظات تناديه زوجته كي يستوعب على وسادته أبنائه الثلاثة، الذين كما عبرت (سيموتون من الحر إن بقوا تحت سقف جهنّم في الداخل)، يعدّل الرجل جلسته ويأخذ الثلاثة في حضنه، يلاعب هذا الذي نهشت جسده الحساسية، ويسمح لتلك ابنة العامين بالنوم مكانه، ثم ينادي جاره من عائلة بارود في الزقاق المقابل يردّ عليه السلام ويبدأ حديثهما اليومي المتكرر (بدهمش يجيبو هالكهربا؟).

ليس أبو يحيى الوحيد داخل مخيم الشاطئ الذي بات يلجأ إلى الطريق هرباً من حر البيوت المتلاصقة داخل المخيم المذكور بعد أزمة التيار الكهربائي وانقطاعها يومياً أكثر من عشرين ساعة، بل مثله كل أصحاب البيوت المسقوفة بـ"الزينكو" أو "الأسبست" التي تصبح كالجمرة تحت شمس النهار خلال فصل الصيف.

حل الرجال وأزمة النساء

أمام الباب الذي يبقى مفتوحاً طوال النهار عله يسرب بعض نسمات الهواء لعائلة موسى المكونة من 20 فرداً، تجلس أمه الستينية، وقد وضعت على رأسها شالاً يستره عن عيون المارة، تستخدم طرفه في مسح وجهها، وصينية بلاستيكية تحركها كل دقيقة لتنعم ببعض البرودة.

تقول (أم إياد) منفعلة: "هذه ليست حياة، نحن سكان المخيمات نعيش أجواءً عصيبة في ظل أزمة الكهرباء، الحر شديد جداً، أطفال أولادي الذين يسكنون معي في البيت ذاته ينامون ليلاً على البلاط من دون فراش، بينما أهل البيت كلهم يعتمدون الصواني البلاستيكية كمراوح يدوية بديلاً على مراوح الكهرباء".

وتشرح الحاجة وضع نساء البيت فتكمل: "الرجال حلهم الشارع، حتى لو ناموا فيه بملابسهم الخفيفة لن يلومهم أحد، لكن النساء لا يمكنهم هذا بالطبع، هن مضطرات إلى البقاء في جو البيت المتعب، وإن اضطروا إلى فتح النوافذ (التي تطل مباشرةً على بيوت الجيران) بقوا بعباءاتهم وأحجبتهم طوال الوقت".

ولا تملك العائلة التي لا معيل لها اليوم بسبب عدم توفر فرص العمل، ما يمكنها من شراء "مساعدات" الإضاءة والتهوية المشحونة وسط هذه الأزمة، فتعتمد على بطارية صغيرة اقتربت صلاحيتها على الانتهاء لإضاءة "مصباح ليد واحد" يوضع وسط البيت لينير طريق الغرف الثلاثة التي يسكن في كل منها ابن متزوج برفقة زوجته وأبنائه.

تركت الضيوف

جار عائلة موسى (بارود) كان يشارك أمه السبعينية (أم نضال) الجلسة أمام باب بيتهم الصغير، يتحدثون عن أوضاع القطاع وأزماته المتتالية، فيما كانت ضجة تصدر من الداخل.

الحاجة مريضة الضغط تقول: "هل تسمعون؟ لدي ضيوف في الداخل لا أستطيع مشاركتهم الجلسة فتركتهم لدى زوجات أبنائي، لو دخلت دقيقة إلى علبة الصفيح هذه لربما اختنقت".

ضغط السكان الكبير داخل بيت السيدة المسنة سبب آخر من أسباب الحر في نفس المكان، فهي أم لتسعة، ولابنيها كل واحد تسعة، وهذا يدعو الأطفال إلى البقاء في الزقاق طوال النهار، هرباً من حرارة البيوت، وإيجاداً لمساحة أوسع من أرض البيت الصغيرة، بينما الشبان يلجؤون إلى البحر فيقضون عنده يومهم إلا في ساعات وصل الكهرباء.

حتى العاشرة!

وبمجرد عودته من عمله عصراً وحتى الساعة العاشرة ليلاً، يقسم عماد العكلوك (بائع خضار متنقل) بأنه يبقى في الشارع مع أطفاله الخمسة، أمام باب منزله في نفس المخيم هرباً من شدة الحر، خصوصاً وأن منهم من أصابته حساسية جلدية منذ بداية الأزمة لم تشف حتى اليوم.

ويضيف: "أطفالي لا ينامون ليلهم بسبب الحر، ويلجؤون إلى البلاط كي يستمدوا بعض البرودة منه، وليس في قدرتي شراء مروحة شحن كما غيري من المقتدرين"، مبيناً أن طبيعة بيوت المخيم تفرض على كل عائلة فتح نوافذها وفق قوانين احترام الجار وخصوصيته وهذا ما يدفع المعظم إلى إبقائها مغلقة، أو اعتماد الزي الشرعي في حال فتحها حتى داخل البيت".

الكهرباء كما يقول العكلوك عطلت حياة الساكنين في المخيم، فلا الماء باتت متوفرة، وحتى عجين الخبز صار يرمى في البحر إذا تأخر موعد الوصل لعدم قدرة السكان على استيفاء عملية خبزه، يعلق ضاحكاً: "صينية البلاستيك باتت عندي أهم من الأكل والشرب" سائلاً الله الفرج القريب.

واعتاد سكان قطاع غزة، منذ نحو تسع سنوات على انقطاع التيار الكهربائي، لأكثر من عشر ساعات، إلا أنه خلال الأشهر الماضية تضاعفت ساعات القطع لتصل نحو عشرين ساعة، الأمر الذي أصاب المواطنين بالتذمر في ظل غياب الحلول الاستراتيجية للأزمة.

وتتراوح حاجيات قطاع غزة من الكهرباء، ما بين 480 إلى 500 ميجاوات، لكنه لا ينتج سوى 215 ميجاوات تأتي بالأساس من ثلاثة مصادر، هي محطة غزة الرئيسة، وخطوط كهرباء قادمة من الاحتلال بمقدار 120 ميجاوات، وأخرى مصرية تزود محافظة رفح بـ30 ميجاوات.

مواضيع متعلقة: