بفعل انتهاكات الاحتلال وسياسة الهدم

شتان ما بين رمضان "العراقيب" في 2019م وقبل النكبة

البروفيسور إبراهيم أبو جابر
قلقيلية/ مصطفى صبري:

كان اللقاء مع البروفيسور إبراهيم أبو جابر (68 عامًا) في ساحات المسجد الأقصى في أول جمعة رمضانية، كانت عائلته ترافقه في هذه الرحلة من بلدة كفر قاسم في المثلث الجنوبي المحتل، فهجرت عائلته من قرية العراقيب التي هدمها الاحتلال 143 مرة إلى غاية الآن، واستقرت في بلدة كفر قاسم منذ النكبة.

يقول أبو جابر لـ"فلسطين": "طقوس رمضان في العراقيب تغيرت رأسًا على عقب، فوالدي وجدي كانا يحدثاننا عن تفاصيل الحياة قبل النكبة، وزراعة الحبوب بكل أنواعها، وكيف كان يحل شهر رمضان في الحصيدة، وكانت النساء يضعن المياه في قرب مصنوعة من جلد الماعز بعد دبغها، ثم الطهي على الحطب مما تنتجه الأرض، ولم تكن هناك مضايقات".

"لكن بعد النكبة قتل من قتل وشرد من شرد، والآن العراقيب تهدم فوق رؤوس أصحابها للمرة الـ143، لكن العزيمة والإصرار ما زالا موجودين" يضيف.

يعود أبو جابر للذاكرة وهو الذي ألف مجموعة من الكتب عن جرح النكبة في أربعة مجلدات، واستعرض فيها ما جرى من أحوال لفلسطينيي الداخل، ويقول: "العراقيب مكونة من خمسة أفخاذ عائلية، والكيان العبري لا يريد للعراقيب البقاء في المكان، في وقت يدفع فيه الشيخ صياح الطوري ابن السبعين عامًا ضريبة النضال دفاعًا عن العراقيب".

ويتابع: "شهر رمضان حاليًّا يختلف عن رمضان قبل النكبة، فاليوم يفطر الصائمون على أنقاض المساكن من الزينجو والحظائر المخصصة لتربية المواشي، وعلى أرض مقبرة القرية، وفي السابق كان الإفطار في الأراضي الواسعة وداخل خيام أقيمتبسواعد أبناء العراقيب، ولم يكن هناك من ينغص عليهم من شرطة وطائرات عمودية ترش المزروعات بالسموم والمبيدات الحشرية، وجرافات تقتلع الخيام، حتى القطط تحارب عند عملية الهدم".

ويكمل أبو جابر: "رمضان في زمن الأجداد بالعراقيب كان شهر هداة بال، وكانت تنشد الأهازيج البدوية على أوتار الربابة، وتصنع القهوة بطحنها بالهون الخشبي وإغلائها على النار وصبها في دلة في مجلس عام يسمى الديوان، والاحتلال بهدمه المتكرر للعراقيب يهدف إلى شطب كل التراث والتاريخ في المكان، فالمنطقة جميلة وإستراتيجية، ولها قيمة في نفوس أهالي العراقيب والبدو في النقب".

ويضيف: "استشهد أقاربي وعمي وزوج عمتيفي القرية،وهم يدافعون عن أرضهم، وفي رمضان الحالي نذهب نحن أبناء العراقيب الذين نقطن خارج المنطقة إلى الإفطار في المكان، وإحياء أيام رمضان بالصلاة على أنقاض قريتنا".

طقوس غابت

يقول أبو جابر : "كنا نعلم موعد الإفطار من وسيلتين: الأولى مدفع غزة، والثانية المذياع من محطة صوت العرب،وعند غياب المذياع كانت العراقيب عند الإفطار ترسل شابًّا إلى جبل قريب حتى يسمع صوت مدفع غزة، وينادي بعدها بصوت عال: "الصايم يفطر، الصايم يفطر"، ومن يسمع النداء يعيد المناداة حتى يفطر الجميع".

يتابع الحديث عن الطقوس في العراقيب قائلًا: "كنا نجتمع في الديوان عند الإفطار وكل يحضر طعامه، وبعد الانتهاء ينقل الشباب الأواني إلى المنازل، ويبقى "الختيارية" داخل الديوان حتى الساعة الحادية عشرة".

"أما الطعام فكان أغلبه من الحبوب، والعدس، والبندورة الناشفة، ولبن الجميد، ومناسف اللبن مع سمنة بلدية، واللحم يكون معظمه من الذبائح التي تذبح في رمضان عن الموتى، والمشروبات كانت المياه والقمردين، وهو من المشمش المجفف، كنا نحضره من بئر السبع، وكنا نختم وجبة السحور بكأس من الشاي كي لا نعطش" والحديث لأبو جابر.