"ناشطة" و"نصف إنسان" وصفان متناقضان لـ"دعاء"

شقيقتان بكرسيٍ متحركٍ واحد وعشرات "المطبات"

الزوايدة / غزة - رنا الشرافي

أن تكون الطفل الأول في العائلة وأول فرحة لها "حظوة" ينالها الأخ أو الأخت الكبرى، ليتمتع بدلالٍ لن ينوله أحد من بعده بين أفراد العائلة، وهذا الدلال ينعكس مرحًا وألقًا وصوتًا وحركة، بل وصورة في داخل البيت، وكأن الحياة دبّت فيه بعد صمت الكبار فيه.

هذه الحياة التي كان من المفترض أن تنتظر "دعاء قشلان"، ابنة السابعة والعشرين من العمر، من بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، شهور الحمل انقضت، وحان الوقت لاستقبال تلك الفرحة المنتظرة، الطفلة الأولى، لكن القدر كان غالبًا، وما وجدته دعاء عند خروجها إلى هذا العالم كان خللًا جينيًا بسبب صلة القرابة بين والديها أفضى إلى إصابتها بمرض ضمور في العضلات.

وضمور العضلات هو أحد الأمراض الوراثية التي تصيب الأعصاب التي تظهر من الحبل الشوكي، وتسمى الحالة بضمور العضلات الشوكي، ويسبب هذا المرض ارتخاءً شديدًا في العضلات مع ضمور عضلات الأطراف، وضعف في عضلات الجسم التي تتحكم في التنفس والبلع وغير ذلك وعدم القدرة على التحكم بها.

قبل أيام، تعرّضت دعاء لحادثٍ بسبب "مطبّ" في الشارع الذي يوجد بيتها فيه، وعلى إثره أُصيبت بجروح في وجهها، فكتبت في حسابها بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" منشورًا تتحدث فيه عن الحادث وبعض أوجه المعاناة الأخرى، في اليوم التالي أزالت بلدية الزوايدة المطب الذي تسبب بإصابتها، لكن ثمّة "مطبّات" عديدة في حياة هذه الشابة، وشقيقتها التي تماثلها في المعاناة.. "فلسطين" أجرت الحوار التالي مع "دعاء".

مواجهة القدر

اضطرت دعاء لمواجهة مصيرها في منزل غير مهيأ لذوي الاحتياجات الخاصة ولا حتى (الأصحاء)، وكرسي واحد تضطر لمبادلته مع شقيقتها عبير (21 عاما)، والتي تعاني من نفس المرض، وهما فقط من أصيبتا بهذا المرض، من عائلتهما المكونة من شقيق وأربع شقيقات.

منزلها صغير المساحة، لا يكفي لكرسيها المتحرك، وسقفه نصفه من الأسبست ونصفه الآخر من الزينكو، ومن كلا الشقين يدلف الماء على أصحابه شتاءً، ولهب الحرِّ صيفًا، وعذابات لا تنتهي.

عن حالها تقول قشلان لـ"فلسطين": "كنت أذهب إلى الحمام زحفا على ركبتي لمدة 26 عاما، وقبل عام واحد فقط استطعنا، بمساعدة إحدى المؤسسات، توسيع الباب، حتى أتمكن من الدخول بالكرسي دون الحاجة إلى الزحف".

وتضيف: "حتى باب غرفتي لا أستطيع العبور منه بالكرسي، ما يضطرني للهبوط عن الكرسي والزحف حتى أصل إلى الداخل، حيث خزانتي ومنامي هناك، وكذلك فإن مجلى المطبخ أعلى مني ولا أستطيع استخدامه، وإن تعلقت به فهو آيل للسقوط بأي لحظة بسبب قدمه".

عن مرضها، تواصل: "أُصبت بهذا المرض بسبب علاقة القرابة بين والدي، وهو مرض وراثي قد نجد له علاجًا في الدول الأجنبية، أما الدول العربية فلا علاج فيها لمثل هذه الحالات، كما أخبرني الأطباء، والأهم من ذلك هو أن تكلفة العلاج مرتفعة جدا، ووالدي من عمال الداخل المحتل ونعيش على مساعدات الشؤون الاجتماعية".

كرسي واحد

توضح قشلان: "بالكاد، حصلت على كرسي متحرك يساعدني على قضاء حوائجي من الخارج، فأنا خريجة جامعية تعلمت سكرتارية، وتوقفت عن متابعة تعليمي بسبب تذمر السائقين من نقلي وعدم تأهيل الجامعة لذوي الاحتياجات الخاصة، ثم حصلت على منحة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا وسافرت إلى الإمارات، وهناك حصلت على شهادة قيادة الحاسوب الدولي، وبعد فترة عدت إلى الوطن".

وتبيّن: "انضممت إلى برنامج إرادة، وتعلمت صيانة الهواتف المحمولة، على أمل أن تساعدني جهة ما في فتح مشروع يدرّ علي قوت يومي، لكن هذا لم يحصل حتى الآن"، لافتة إلى أنها تشارك في ورش العمل، والتي تكون بأجر أحيانا ومجانًا أحيانًا أخرى، وهو ما كان سببًا في أن أطلق عليها المجتمع لقب "ناشطة اجتماعية".

هذه "الناشطة" تضطر إلى إلغاء بعض نشاطاتها لأجل شقيقتها الأصغر عبير (21 عاما)، التي تعاني من نفس المرض وتشاركها ذات الكرسي المتحرك، لتتيح لها المجال للخروج وتلبية احتياجاتها.

تصمت قشلان قليلًا، ثم تتساءل: "عمرك شفت حد حلم حياته شارع بيته يكون مرصوف؟.. هذه أنا"، مشيرةً إلى أن أحد الأشخاص صنع "مطبًا" قرب منزلها ورفض إزالته، ما تسبب في سقوطها عن كرسيها المتحرك، وإصابة وجهها بجروح، قبل أن تتمكن البلدية في اليوم التالي من رفع المطب وتمهيد الشارع، واعدة بـ"تحسين الحال".

نصف إنسان

عائلة الشابة دعاء تتفهم طبيعة احتياجاتها، لكن الجيران ليسوا كذلك، فهي تتعرض لمضايقات كثيرة منهم، على حد قولها.

توضح: "ينظرون للمعاق على أنه نصف إنسان، لا يجب أن يخرج من قوقعته، وكأن على المريض أن يعتزل العالم حتى يموت دون أن يعلم به أحد".

وتؤكد: "لست إنسانة سلبية، بل العكس تماما، فرغم كل شيء ما زلت أصرّ على مواصلة الحياة بكل فرح، وأؤمن أن لي صيبًا فيها وقدرًا سيصيبني منها، ولست نادمة على شيء، بل سأواصل نشاطي وتحركاتي، ولن أعتزل الناس".

وتطالب بتأمين فرصة عمل لها، في مقابل استغنائها عن معونات الشؤون الاجتماعية والمؤسسات: "فلتطبق مؤسساتنا قانون العمل وتمنح المعاقين حصتهم من فرص التشغيل، وليجرّبوا قدراتي، وعندها لن أحتاج لمساعدات الشؤون".

بانتظار حاضنة إلكترونية

وتوضح أن المساعدات التي تتلقاها من الشؤون الاجتماعية قيمتها 700 شيكل فقط، وأن بطارية كرسيها المتحرك إذا تعطلت، فإنها تحتاج لبطارية جديدة ثمنها 1200 شيكل تقريبا، متسائلة: "من أين؟".

وتقول: "أحيانًا أتلقى أجرًا على ورش العمل التي أقدمها في قانون الإعاقة الدولي وقانون الإعاقة الفلسطيني، ولكنها غير مستمرة ولا تكفي لسدّ الحاجة"، مضيفة أنها قدّمت فكرة منصة إلكترونية لذوي الإعاقة، لتوظيفهم.

عن مشروعها، تتابع: "فكرتي فازت من بين 500 فكرة ريادية، فـأكثر المشاكل التي تواجه ذوي الإعاقة هي تعطّلهم عن العمل واضطرارهم للاعتماد على معونات الشؤون، ولكن لم أجد حاضنة إلكترونية لإطلاق المشروع حتى اللحظة".

وتعبّر عن استيائها من رفض المؤسسات منح أختها كرسيا متحركا آخر، موضحة: "اضطر لتقاسم الكرسي معها، وحتى تقضي حاجاتها أعتذر أنا عن مواعيدي والعكس صحيح، وترفض المؤسسات إعطاءنا غيره بحجة أننا أختان، فإذا شاء الله وكنا مقعدتين فما ذنبنا؟ وهل هذه حجة لمنع الكرسي المتحرك عن مُقعد؟".

وفي ختام حديثها معنا، تقول قشلان: "إن كان المواطن المُعافى في غزة تحمّل ثلاث حروب وانقساما ومآسي كثيرة، فنحن ذوي الإعاقة تحملنا أكثر وأكثر، أعرف أنني أبني على ما بدأه من سبقوني من ذوي الإعاقة وهناك من سيكمل المشوار من بعد حتى يجد المعاق فرصة عمل تكفل له سبل العيش الكريم في إطار إنساني صحي بعيد عن الأمراض والآفات الاجتماعية التي تنظر للمعاق كنصف إنسان".