شقائق الرجال يتصدّرن الصفوف الأولى في مسيرات العودة

غزة- شيماء العمصي:

على غير عاداتهن الفطرية، وبعكس اهتمامات مثيلاتهن من فتيات العالم، تبرز فتيات غزة إلى جانب الرجال مدافعات عن الوطن السليب ومشاركات في الطوفان البشري الذي يتجدد كل جمعة قرب السياج الفاصل بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948، ضمن فعاليات مسيرات العودة وكسر الحصار.

تراهُنّ هنا وهناك يقمن بدورهن على أكمل وجه، بين مسعفاتٍ جندن أنفسهن لخدمة الجرحى، في ظاهرة هي الأنبل في العصر الحديث، وكاشفاتٍ للحقيقة اتخذن من الصحافة مهنة إنسانية، ويحاولن إبراز تغول الاحتلال الإسرائيلي وإيغاله في دماء أبناء غزة، ومقدماتٍ للدعم اللوجستي الممكن لكل من شارك ويشارك في مسيرات العودة الأسبوعية.

أخت المرجلة

شقائق الرجال لم يكتفين بدور الإسناد والدعم، بل تقدمت عشرات النساء الصفوف ليواجهن بطش الاحتلال، ويؤكدن تصميمهن على شق طريق العودة؛ من رفع الأعلام، إلى الانخراط الفعلي في رشق الحجارة، وقد وثقت كاميرات الصحفيين مواقف بطولة وعزّ للمرأة الفلسطينية.

مراسلة صحيفة "فلسطين" تجولت في مخيم العودة شرق البريج، وتابعت الثائرات اللاتي يشاركن في المسيرة، من أصغرهن سنًا إلى التي شاب رأسها وهي تنتظر العودة إلى بلدتها التي سلبتها العصابات "الصهيونية" قسرًا إبان نكبة الـ48.

وكانت إخلاص القريناوي واحدة من المشاركات في فعاليات مسيرات العودة الأخيرة، وقالت: "أوثق اللحظات في مسيرات العودة منذ يومها الأول على مدار عام كامل، وسأبقى مستمرة في هذه التغطية كخطوة عملية لكشف جرائم الاحتلال في المسلسل الذي أصفه بتصفية الشعب الفلسطيني الذي لا يملك سوى العلم الفلسطيني لمحاربة عنجهية الاحتلال ضده".

وأكملت العشرينية القريناوي: "أشارك في مسيرات العودة محاولة كشف جرائم الاحتلال التي طالت المدنيين والصحفيين والمسعفين، وتجديد الجيل الجديد وتذكيره بحق العودة، وتعد تغطيتي الصحفية خطوة لكشف مسلسل التصفية للقضية الفلسطينية وعلى رأسها قضية اللاجئين".

بالرغم من تعرض إخلاص للعديد من الإصابات، كان آخرها بالغاز المسيل لدموع في 30 مارس/ آذار الماضي، حيث فقدت الوعي، فإن ذلك لم يثنِها عن المشاركة في المسيرات لإيصال رسالة شعبها الفلسطيني المهجر قسرًا، وفق قولها.

أخذت تتصبّب عرقًا عندما تحدثت عن أكثر المواقف التي آلمتها، فكان ردها: "أكثر المشاهد التي أثرت بشكل كبير فيّ هي إصابة الزميل الصحفي فادي ثابت برصاص متفجر في القدم.. هذا العدو لا يفرق بين أحد ويجب محاكمته في المحاكم الدولية على هذه الجرائم بحق الصحفيين والمتظاهرين وبعدّ هذه الجريمة جريمة حرب".

ثائرة ومسعفة

وعلى بعد أمتار قليلة تقف المسعفة آيات، تحمل في يدها زجاجة محلول والقليل من الشاش المعقم. وقالت عن سبب مشاركتها في مسيرات العودة: "مش مجبورة، بس بساعد أولاد بلدي، واحنا أصحاب قضية، والأهم عندي مساعدة الناس، والعمل الإنساني مش ناطر إذن من حد".

وأشارت آيات التي تبلغ من العمر (22 عامًا) إلى أنها منذ بدء مسيرات العودة قبل عام، وهي تشارك في المسيرات وتداوي المصابين. ولم تكمل حديثها واعتذرت قائلة: "ليس لدي وقت لأكمل المقابلة معك، فالعدو الغاشم أصاب أحدهم، وواجبي الوطني يناديني لمداواته".

وأمام السياج الفاصل مباشرة وبتحدٍّ تقف هداية القرعان "أم مجاهد"، رابطة علم فلسطين حول رأسها، وتقذف الحجارة صوب جنود الاحتلال المختبئين خلف السواتر والدشم العسكرية. وقالت لـ"فلسطين": "أردت من خلال مشاركتي في مسيرات العودة على الحدود الشرقية لمخيم البريج أن أثبت أمام الاحتلال وجود الفتيات الفلسطينيات وأن المشاركة ليست مقتصرة على الرجل فحسب، كوننا فلسطينيات والقضية قضيتنا جميعًا".

وقالت القرعان لـصحيفة "فلسطين": إنها "أصيبت أربع مرات، وإن الخامسة كانت عندما حاصرت قناصة الاحتلال بعض الشبان عند وادي "أبو قطرون" شرق المحافظة الوسطى، لم أجد نفسي إلا أتقدم حاملة بيدي علم فلسطين ومصحفي الذي هو ميراث والدي لي، أمام قناصة الاحتلال، فما كان منهم إلا أن أطلقوا أربع رصاصات بالقرب مني، ولم أفكر وقتها إلا بإخلاء الشبان، لتكون الخامسة في رأسي لأسقط بعدها على الأرض وأفقد الوعي، وكان آخر ما سمعته من الشبان تكبيراتهم ورددوا أم مجاهد اتصاوبت اتصاوبت".

وتطالب القرعان شعوب العالم بالنظر بعين الرحمة للشباب والشابات وكبار السن الذين يحاربون من أجل استرداد حقوقهم، لا يحاربون من أجل مقابل مادي، إنما يحاربون بحثاً عن حريتهم وعودتهم لبلادهم التي هجروا منها، يحاربون لأجل لقمة عيش كريمة ومسكن آمن، وهي أبسط الحقوق التي قد يتمتع بها أي إنسان في العالم.