شكرًا دولة البارغواي

د. أيمن أبو ناهية
الخميس ٠٦ ٠٩ / ٢٠١٨
د. أيمن أبو ناهية

جاءت تصريحات وزير خارجية البارغواي ليويس ألبيرتو كاستيليوني مفاجئة لحكومة الاحتلال، عندما أعلن أن حكومة بلاده اتخذت قرارًا بإعادة سفارتها لدى الكيان العبري من القدس إلى (تل أبيب)، بعد أن افتتحت سفارتها في القدس يوم 21 مايو الماضي، لتصبح الدولة الثالثة التي اتخذت هذه الخطوة بعد الولايات المتحدة وغواتيمالا، على الرغم من عدم التوصل إلى حل نهائي بشأن المدينة المقدسة.

معروف أن الاحتلال والإدارة الأمريكية مارسا ضغوطًا جمة على دولة البارغواي لإجبارها على نقل سفارتها من (تل أبيب) إلى القدس، في ولاية رئيس الباراغواي السابق في 15 أغسطس الماضي، لكن كما يقولون "جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن"، بعد تولي ماريو عبدو بينيتيس، الذي ينتمي ككارتيس إلى حزب 'كولورادو' المحافظ، زمام السلطة في البلاد، فقد صحح هذا الخطأ الفادح والواضح وأرجع سفارة بلاده إلى حيث كانت في السابق.

ومما لا شك فيه أن دولة البارغواي بهذا الموقف إنما تؤكد من جهة رفض الموقف الأمريكي المنحاز إلى الاحتلال والمعادي للشعب الفلسطيني والشرعية الدولية، ومن الجهة الأخرى تؤكد تمسكها بمبادئ العدالة وقرارات ومواثيق الشرعية الدولية الخاصة بعروبة القدس، ليتضح أن الموقف المعادي الذي يتبناه الرئيس الأمريكي ترامب ومجموعته الموالية للصهيونية ليس قدرًا، وأن من الممكن مواجهته وإحباطه، حتى من قبل حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في الاتحاد الأوروبي.

ولهذا نقول شكرًا للبارغواي حكومة وشعبًا على هذا الموقف النبيل المنحاز إلى الشرعية الدولية ومبادئ العدالة، ونأمل أن تحذو غواتيمالا حذوها، كي لا يتكرر الخطأ مع أي دولة أخرى نتيجة الضغوط الإسرائيلية والأمريكية.

وهو الموقف نفسه الذي ينتظره شعبنا وقيادته من كل أنصار الحرية والعدالة ومن الدول الصديقة كافة، خاصة أننا أمام تحديات جسام بدأت باعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال، ما يناقض الشرعية الدولي ولاتفاقيات الموقعة، ثم امتدت إلى محاولة تدمير حل الدولتين، ثم محاولة تصفية قضية اللاجئين باستهداف (أونروا)، والتشكيك في أعداد اللاجئين، مع كل ما يعنيه ذلك من مخاطر، ليس فقط على قضية اللاجئين، بل أيضًا على النظام العالمي وعلى قرارات ومواثيق الأمم المتحدة وإعلاناتها.

إن ما يجب أن يقال هنا: إن هذه الإدارة الأمريكية التي واجهتها غالبية شعوب ودول العالم في رفض اعترافها بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال، وتواجه اليوم برفض موقفها من قضية اللاجئين؛ باتت بمواقفها تلك معزولة عن الساحة الدولية مع الاحتلال الذي فضلت أن تقف معه في خندق واحد، ليس في مواجهة الشعب الفلسطيني فقط، بل في مواجهة العالم بأسره، لتهدد بذلك النظام العالمي، وتحاول المساس بمبادئ العدل والحرية وحقوق الإنسان.

وأخيرًا نقول: إن شعبنا الصابر المرابط المتمسك بحقوقه المشروعة، والمصر على مواصلة نضاله المشروع حتى نيل حريته واستقلاله لن ترهبه مواقف أمريكا وإدارتها الموالية للصهيونية والاحتلال، ويكفيه فخرًا أن الغالبية الساحقة من شعوب العالم ودوله وأنصار الحق والعدل والحرية يقفون إلى جانبه، ويرفضون ما تخطط له إدارة ترامب من عدوان آخر على حقوق شعبنا المشروعة.

أخلص إلى القول إن تصريح ترامب باطل قانونًا، كونه انتهاكًا صريحًا وصارخًا، وخرقًا غير مسبوق لقواعد القانون الدولي، ومخالفة عمدية سافرة لأكثر من خمسين قرارًا أمميًّا صادرة عن الأمم المتحدة جميعها تؤكد حقيقة الوضع القانوني لمدينة القدس، أرضًا محتلة بالقوة تخضع لسلطة الاحتلال الإسرائيلي، وتخضع لاتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب المؤرخة في 12 أغسطس 1949م، وعليه لا يجوز تغيير وضعها بصورة منفردة بما يخالف القرارات الدولية، وإن جميع الإجراءات التشريعية والإدارية التي يقوم بها الاحتلال هي إجراءات باطلة قانونًا، ومُجرَّمة دوليًّا، لأن سلطة الاحتلال هي سلطة واقعية وليست قانونية، ولا يملك الاحتلال أي حقوق ملكية على الأراضي المحتلة، ولا يملك الاحتلال أي سيادة قانونية على الأقاليم المحتلة.