إقرأ المزيد


​في مهمة تدريب لكتائب القسام.. محمد الشرافي

شهيد "الكوماندوز".. عشق البحر فاحتضنه للأبد

غزة - يحيى اليعقوبي

الخامس والعشرون من يوليو/ تموز 2017م، العاشرة والنصف صباحا، درس تلاوة القرآن على وشك الانتهاء .. فجأة دخلت إحدى النساء كأنها تكتم خبرا صادما، فتعابير وجهها سبقت نبرة صوتها؛ "ابنك مصاب" .. قالتها لعبير الشرافي -42 عاما - والدة محمد الشرافي أحد عناصر وحدة "الكوماندوز" البحري التابعة لكتائب القسام، وبطل حكايتنا.

وما إن سمعت ما قالته لها تلك السيدة، حتى عادت والدة الشرافي بشريط ذكرياتها القريب إلى الوراء قليلا مستعيدة حينما طلب منها نجلها أن تدعو له قبل أن يخرج "لتدريب بحري صعب" كما قال لها، ثم صلت ركعتي شكر لله، وما هي لحظات حتى اتصل بها زوجها .. رج الهاتف في يديها اللتين كانتا ترتجفان، وأصابت قلبها اضطرابات وتساؤلات، تخشى من صدمة ما من المتصل، الذي بدأ الكلام ببطء .

البداية؛ قبل أسبوع من ذلك التاريخ الذي نقش على سجلات الألم في حياة هذه العائلة يفصح محمد لوالدته عن شيء حدث معه خلال تدريب له في "كوماندوز" القسام، قائلا:" حينما كنت في الماء تهيّأتُ شيئا كأنه هيكل أشخاص بلباس أبيض .. كأنهم الملائكة "، ما زال يحدث والدته التي تعجبت مما قال: "كنت أنظر إليهم، وهم يفسحون لي الطريق ثم حجبت المياه نظري عنهم وانتهت مهمتي وخرجت بسلام".

كان محمد في آخر ساعاته قد أجهد نفسه وساعد بيت عمه في نقل "الرمل" لأغراض البناء، فالمجهود الكبير لم يمنع الشاب الذي أحب مساعدة الآخرين من مساعدة عمه.

اليوم الأخير

قبل خلود محمد إلى النوم دار حوار بينه وبين أمه: "يما؛ ادعيلي عندي تدريب صعب ..

- الله يرضى عليك؛ سأنتظرك؛ غدا صباحا لنفطر معا"، الشاب الذي يعرف صعوبة التدريب كان همه كسب رضا والدته "بس ادعيلي"، فنال من بركات دعائها: "روح موفق إن شاء الله .. تروح وترجع بالسلامة".

انتهى الحوار وغط محمد في نوم قصير، ومع ذات السكون الذي يحيط بالمكان، وبعد رفع أذان الفجر ذهبت أم محمد لتوقظ ابنها لأداء صلاة الفجر، لكنه كان قد سبقها في الاستيقاظ وخرج لصلاة الفجر، والذهاب إلى مهمته في التدريب.

لم يرد والد محمد باتصاله مفاجأة أم محمد بخبر استشهاد ابنها، فقال لها، "محمد بخير" لكنها أصرت على موقفها "ابني استشهد"؛ لم يجد ما يقوله في هذا الموقف الصعب بين مشاعر ممزوجة بالألم والصبر ليضع النقطة الأخيرة ويثبت لها خبر الاستشهاد " ارفعي رأسك هذه بركات من الله".

ترك محمد كل شيء ورحل دون وداع، وهو نفسه لا يعلم أنه سيغادرهم دون استئذان.

تمر صفات الشهيد على حديث والدته، بأنه نجلها، صاحب خلق، حافظ للقرآن الكريم، مطيع لوالديه، كلمته كحد السيف، قليل الكلام، كتوم، لم تعرف حارته أنه من وحدة الكوماندوز البحري القسامية إلا بعد استشهاده.

ويسحبها الزمن إلى تلك اللحظة التي أرسلت نجلها فيها ليحفظ القرآن الكريم كاملاً ويختم حفظه في ثلاثة أعوام وهو في الصف التاسع.

محمد الذي التحق بكتائب القسام قبل ما يقارب الثلاثة أعوام كتب قصة حب مع البحر، منذ طفولته، فكان يحب ممارسة السباحة كثيرا، درس أيضا هندسة اتصالات سلكية ولا سلكية في كلية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".

قبل ثلاثة أيام من أصعب خبر تلقته هذه العائلة برحيل ابنها الغالي، في جو عائلي بين كافة أفراد الأسرة ينظر الأب إلى ابنه البكر "يلا هيك خلصت تعليمك .. بدنا نجوزك " وسط تفاؤل الحاضرين واستعدادهم للفرح فاجأ محمد والده " جيزتي عند رب العالمين في الجنة".

" محمد صاحب شجاعة باهرة وعقلية ذكية مدبرة " يثني والد الشهيد على نجله في حديثه المقتضب معنا، وفي اجتماعات العائلة، حينما كان ينوب محمد عن والده، كان يقول كلمة الحق، أمام الكبير والصغير، ولديه كلمة يحترمها الجميع في الخارج وقبل ذلك أفراد أسرته.

سيرة جهادية

موقف لمحمد – يذكره أحد أصدقائه، الذي جلس معنا ورفض الإفصاح عن اسمه – أنه في معركة العصف المأكول عام 2014م، حينما كان الطيران الإسرائيلي يحلق في سماء قطاع غزة بشكل كثيف، وكانت الأمور شديدة الخطر فوق الأرض، إلا أن محمد خرج إلى رباطه ولم يخش الطيران ولم يتأثر بهذه الأجواء العاصفة.

لم ينته من حديثه عن محمد، قائلا: كان يرافق المجاهدين الأكبر منه سنا منذ طفولته، اهتم بتنظيم حلقات تلاوة القرآن بعد صلاتي الفجر والعشاء، يحرص على جمع أبناء المسجد حوله، ينظم حلقات ذكر، فكان التزامه حديديا بالقرآن وبالجهاد"، أما في حياته الاجتماعية فكان مشاركا يصلح بين الجيران مثاليا في مساعدة الآخرين.