39
إقرأ المزيد


سهام نمر ومازن فقها.. ومحيي الدين الشريف

ساري عرابي

لا يمكن أن تكون أيام الفلسطينيين إلا حافلة بالذكريات المشرّفة والأليمة في الوقت نفسه، لطول نضالهم، وبسالته، وملحميته، وكذلك للدخائل والنقائص التي ما تركت نضالاً مشرفًا، أو ثورة ملحمية، إلا وحاولت افتراسها، والأيام هذه التي نعيشها حافلة بالأحداث كذلك لا بالذكريات فحسب، والتقاء الأحداث بالذكريات يفيض عادة بالدلالات البليغة.

قبل أيام استشهدت السيدة سهام راتب نمر (49 عامًا) عند باب العمود بالقدس، وهي تحاول الثأر لابنها الشهيد مصطفى (27 عامًا)، والحق أنني ما زلت في حيرة من أمري، من أمرنا، كيف يمكننا جميعًا المرور على هذه الحادثة ببضعة تعليقات، أو حتى بدون تعليق، ثم نكمل عاداتنا اليومية وكأن شيئًا لم يكن، بالرغم من أن ما في هذه الحادثة من وجع لو وزع على كل القلوب الرحيمة لأشفقت منه، ومن غضب كافٍ لحمل الفلسطينيين كلهم على المواجهة.

لقد سلطت علينا سياسات استهدفت فينا أحسن ما فينا، كي نعيش حياة طيبة بزعمهم، ولكن دعونا نرى هذا البؤس والعار الذي يظللنا وامرأة تنهض للثأر لابنها، هي مرحلة عابرة بالتأكيد، لن تدوم لا شك، وقد ظلّ في هذا الشعب دائمًا بقية تبذل نفسها لتستحيل حاملاً له ورافعة له، غير أن في هذه الحادثة المعنى الدقيق للحياة الطيبة، الحياة التي تليق بشعب له هذا التاريخ الملحمي في الجهاد والكفاح والنضال، ولم تنتهِ أسباب جهاده بعد.

لن نحيل في هذه الحادثة إلى "القمة العربية" التي عقدت في اليوم نفسه، والموضوع غالبًا سيكون مبتذلاً، حتى وإن كان مكان انعقاد هذه "القمة" من أقرب ما يكون إلى موضع شهادة السيدة سهام، وبالرغم من المقدمات التي أشّرت على خطة تصفوية جديدة للقضية الفلسطينية كانت تعدّ بين يدي هذه "القمّة" يبدو أنه لم يكتب لها التمام بعد. إذ استقرّ في وعينا نحن الفلسطينيين دائمًا، أن قسطًا لا بأس به من مأساتنا، قد جاء من هناك، من هذه المنظومة التي تمثّلها هذه "القمة"، والأمر معروف وازداد انكشافًا، بما يجعل من العار أساسًا، الإحالة في حادثة كهذه إلى هذه المنظومة.

ولكننا نحيل إلى ذكرى استشهاد القائد العظيم محيي الدين الشريف (32 عامًا) الذي استشهد في اليوم نفسه، ولكن قبل 19 عامًا، وقد كان من الذين حملوا الراية من بعد استشهاد المهندس يحيى عاش، الذي استشهد ولما يكمل الثلاثين بعد، فأمسكوا بناصية التاريخ، ودفعوه حيثما يريدون، في سنوات قليلة، ملؤونا فيها شرفًا وفخرًا وعزة وكبرياء، وسيّجوا فيها قضيتنا، وصانوا فيها أحسن وأجمل ما فينا، وفرضوا الإثخان والتحدي على عدوّنا.. فتية صنعوا ذلك كلّه، حتى كانت إحالتنا إليهم بعد هذه السنوات كلّها.

هذا النموذج، لم ينقضِ؛ ففي الرابع والعشرين من هذا الشهر، اغتال العدو، وفي عملية غامضة، الشهيد القائد مازن فقها (38 عامًا)، الأسير المحرر في صفقة وفاء الأحرار، والمبعد إلى قطاع غزة، وبالرغم من أن العدو لم يعلن عن مسؤوليته عن الجريمة على نحوٍ واضح، إلا أنه اعتمد أسلوبه الدعائي المألوف في هذا النمط من الاغتيالات، بطريقة توحي بأنه الفاعل دون أن يقرّ بذلك صراحة.

من صور الإقرار التي اعتمدها العدو، الحديث المكثف عن الدور الجهادي للشهيد مازن، نعم تحدث عن مساهمته القيادية في انتفاضة الأقصى، وعن كونه أحد الأسرى المحررين رغمًا من إرادة الاحتلال الذي حكمه بتسعة مؤبدات، ولكنه أكّد أنه أحد المسؤولين المركزيين عن محاولات حماس الحثيثة لإعادة استئناف العمل المقاوم في الضفة الغربية، وأحد المسؤولين عن تشكيل الخلايا المسلحة التابعة لحماس في الضفة.

نحن إزاء نموذج فلسطيني أصيل، يمثله شاب اخترق الحياة بخط مستقيم، منذ مطلع حياته الذي تفتح فيه وعيه على المقاومة، ثم بممارسته الفعلية للمقاومة، ثم بعودته لقيادة المقاومة مجدّدًا بعد الإفراج عنه، وكأنه لم يلتفت، ولم يقلب الأفكار، إلا بحثًا عن الكيفية التي ينجز فيها عمله الجهادي، ويزعج فيها عدوّه، فاشتغل بعدوه وأشغله به.

من جهة، ما زال محيي الدين الشريف حيًّا في مازن ورفاقه، ومن جهة أخرى ما زال هناك من يفكر كيف يكون ابنًا بارًّا لأمثال الشهيدة الوالدة سهام، أما سهام فهي وعي هذا الشعب الفطري، وصورة تتكثف فيها قضيتنا وأوجاعنا ومأساتنا!

مواضيع متعلقة: