​شَ غً فْ

إكرام السعايدة
الأربعاء ٢٤ ٠١ / ٢٠١٨

كُل شيء في البدايات يبدو مبهجًا وإن كان صعب المنال، تصبر صبرًا يليق بالدربِ الطويل، تتزوّد بزادٍ ليكفي لنهاية الرحلة، والكثير الكثير من اليقين ليُداوي جُرحَ الأسئلة، ينهشك الشغف وتستحوذ عليك نظرات الترقب، كل شيء يستحثّك لتحصل على مُبتغاك... يعني أن تجد سبباً صغيراً واحداً في هذا الكون كي تسعى جاهداً لتنال مُرادك؛ وتعتقد جازماً أن امتلاكه سيجعلك مبتسماً ومُمتناً طوال الوقت ولا شيء يستطيع تعكير مزاجك بمجرد اقتنائه! فتكتشف لاحقاً أن الأمر لا يستحق هذا العناء، لقد أشعلت في قلبك دوامةٌ كبيرةٌ جداً اصطنعت الصداع بلا أي سببٍ مُقنِع، بِتَ في حيرةٍ خانقة، شجنٌ غريب.. تَركتْ لكَ ألفَ تعجب! ثم تكتشف متأخراً أنه بمجردِ الوصول تبدو الصورة باهتةً وتنطفئ الدهشة التي استوطنتك سابقاً، يصفعك سؤال أيُعقل أن يستحق ذلك كل هذا العناء؟!

فنحن بطبيعة الحال نعتاد الأشياء الملفتة والمدهشة، حتى تبدو لنا مع الأيام شيئاً عادياً، كل شيء قد يبهرنا في البدايات، يبدو في النهاية شيئاً مُملاً جدا!

نقتل أنفسنا للحصول على كتاب معين، تدهشنا القراءة الأولى، الثانية، ثم نرميه على رف المكتبة حتى يكسوه الغبار!

ندعو الله كثيراً صحبة أحدهم، يأسرنا مظهره وشكله الخارجي، أسلوبه اللافت كثيراً وكلامه الآسر، ثم لا نلبث حتى نكتشف حقيقته المعاكسة تماماً!

نستميت في الحصول على وظيفة مرموقة ومكانة اجتماعية عالية، وحين الحصول عليها نكتشف أنّ الأمر مرهق ومتعب، وأنّ أصحاب الطبقة الراقية ما هم إلا قوالب خدّاعة، تحترف التمثيل والرياء، وأنّ السعادة كل السعادة تكمن مع البسطاء، حتى لو بأجرٍ زهيد!

الملابس الجديدة تبدو برّاقة أنيقة حين نرتديها في المرّة الأولى، ومع التكرار تُصبح قطعة قماش بالية، ونرميها!

قطعة الشوكولا المفضلة لو أكلناها كل يوم، لمللنا منها ووددنا تجريب نوع جديد!

المقطوعة الموسيقية المفضلة لدينا، لو أدمناها كل يوم في النهاية سنمل منها!

وهكذا تكون الأمور يا صديقي في كُلِ شيء؛ فترهقنا البدايات وتستنزفنا حتى الرمق الأخير.. قد نُهزم ونُترك في وسط الفوضى ونفقدُ الشغف للأشياء التي نُحب، وينطفئ فينا كل شعور جميل! لكنْ لا تنسَ الله أبدًا، فالذي سوّانا ما كانَ ليضيعنا، فكيف إذا لجأنا إليه حينَ السرور وحين البؤس؟! واستعذ بالله من فُقدانِ الشغف، ولا تسعَ وراء ما يستنزف الجهد والوقت ونفسك بلا جدوى فتعتقد أن الوصول بات وشيكاً فتكتشف أنه مجرد سراب، ولا تمض ِفي حياةٍ بلا هدف، وتتعلق بما لا يستحق، وتنطفئ بعد توهج... وتعلّم أن تُهيئ نفسك لانتهاء صلاحية الأشياء في حياتك، أو تحتفظ في ذاكرتك بصورتها وهيئتها الأولى.. كي تألف جمالها وتستديم!

مواضيع متعلقة: