​صفقة القرن على نار القرارات الأمريكية

جبريل عودة
إثنين ٠٥ ٠٢ / ٢٠١٨

لم يعد خافيًا على أحد أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية, بعد مشاركتها الفعلية في العدوان على الشعب الفلسطيني, منذ ما يزيد على سبعين عامًا, بالدعم غير المحدود للكيان الصهيوني, وتحصينه من أي قرارات قد لا تكون في مصلحته تصدر عن الهيئات الدولية, حتى إن اختراع خديعة التسوية جاء في إطار ترسيخ الاحتلال والدفاع عن اغتصابه للأرض الفلسطينية, وشرعنته بالإصرار على مطلب الاعتراف بكيان الاحتلال, فلسطينيًّا وعربيًّا وإسلاميًّا, والحرص على دمج الكيان الصهيوني في محيطنا العربي من بوابة التطبيع التي تحرُسها الأنظمة الرسمية وترفضها الشعوب الحرة.

جاء ترامب بصفقة القرن, مشروع تصفية جديد يستهدف القضية الفلسطينية, مستغلًّا حالة الفوضى في المنطقة, وانشغال الشعوب بقضاياها الداخلية, وسط تزايد قمع الأنظمة الرسمية بمباركة أمريكية, ما لم يعد يبشر بالديمقراطية التي ستجلب لها مناهضين لمشروعها, وتعزز من نفوذ المعادين لرأس حربتها في المنطقة الكيان العبري. صفقة ترامب الخبيثة باركتها سرًّا بعض الأطراف العربية, التي تقع ذليلة تحت السطوة الأمريكية؛ فهي تعمل أداة لتمرير سياسات ترامب إحدى وظائفها السيادية، ولا تستطيع أن تقول: "لا"، ولو كانت مطلوبة "لا" تلك ثمنًا للكرامة ولحفاظهم على ماء الوجه أمام شعوبهم الحرة.

قرار ترامب الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني كان أولى خطوات تنفيذ صفقة القرن, وأعقبها بالقرار الثاني تقليص الدعم الأمريكي, المخصص لـ(أونروا) التي تهتم بشؤون اللاجئين الفلسطينيين, وأخيرًا صدر القرار الأمريكي وضع إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس على قائمة "الإرهاب".

هذه القرارات الثلاثة تؤشر لنا على ماهية صفقة القرن, التي يلوح بها ترامب وفريقه, فبقرار القدس حسم ترامب الموقف لمصلحة الكيان الصهيوني، ووضع البديل لفريق التسوية الفلسطيني بعاصمة في أبو ديس, ورأينا ترويج بعض متصدري الإعلام عربيًّا بأنه لا إشكالية في ذلك, ولا فرق في ذلك بين مدينة وأخرى, حتى لو طرحت رام الله عاصمة يجب قبول ذلك.

ويرمي من وراء قرار تقليص الدعم لـ(أونروا) استهداف حق العودة وإنهاء قضية اللاجئين, وقد تسعى إدارة ترامب إلى الضغط على بعض الدول من أجل وقف دفع مخصصاتها لـ(أونروا), لتصبح عاجزة عن القيام بدروها في خدمة اللاجئين وصولًا إلى إنهاء عملها, وبذلك تطرح مبادرات التوطين والتعويض في إطار تصفية حق العودة، وهذا ما أعلنه المبعوث الأمريكي لعملية التسوية جايسون غرينبلات قائلًا: "لا يُعقل أن تظل الوكالة تعمل إلى أبد الدهر، يجب أن نضع تاريخًا محددًا لعملها".

وفيا يتعلق بقرار وضع زعيم حماس على قائمة "الإرهاب" الأمريكية إنه يعود إلى موقف حماس الإستراتيجي القاضي بإسقاط صفقة القرن, الذي أعلنه إسماعيل هنية في مهرجان ذكرى الانطلاقة الثلاثين لحركة حماس, وتتوقع الإدارة الأمريكية أن حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية سيكون لها دور كبير في إفشال مشروع ترامب التصفوي, فيستعد ترامب إلى ذلك بهذا الإعلان حتى يسوغ أي تدخل عسكري, إذا لزم الأمر من أجل تنفيذ صفقته المشؤومة, إضافة إلى محاولة منع أي حراك سياسي قد يقوده هنية, على مستوى رؤساء وزعماء الدول العربية والإسلامية وأحزابها وقواها المجتمعية والسياسية, وهنا متوقع أن تُغلق الهواتف ولا تُجيب عن اتصالات زعيم حماس الذي يصنف أمريكيًّا بأنه "إرهابي", كما حدث مع الزعيم ياسر عرفات، عندما أُغلقت في وجهه الهواتف العربية, حين اتخذ القرار الصهيوأمريكي بإنهاء حقبة الرجل.

لا نحتاج لتصريحات غرينبلات, لنعي خطورة المخطط الأمريكي, الذي يستهدف قضيتنا الوطنية, صفقة القرن في مراحلها النهائية، وكما قال غرينبلات في لقائه مع قناصل دول أوربية معتمدة بالقدس المحتلة: "الطبخة على النار ولم يتبق سوى إضافة القليل من البهارات", وفي اعتقادي أن للمناورات الصهيونية الأمريكية في فلسطين، ونشر الجيش الأمريكي قواته وأنظمة الصواريخ علاقة وثيقة بصفقة القرن، ومحاولة فرضها بالقوة في مواجهة الشعب الفلسطيني المدافع عن حقوقه الراسخة في فلسطين.

أمريكا تعلن الحرب على حقوقنا ووجودنا وتستهدف هويتنا الوطنية, وتحاول ترسيخ وشرعنة الاحتلال الصهيوني لأرضنا, وتساهم بفعالية في تهويد القدس المحتلة وتدنيس مقدساتها, فليس أمامنا _نحن الشعب الحر_ إلا المقاومة في مواجهة هذا الجنون الأمريكي, ليس أمامنا من خيار غير الوحدة المتينة لدفع الأخطار الجسيمة عن قضيتنا وشعبنا, فهل من عاقلٍ يستشعر الطوفان القادم ليقود الشعب الفلسطيني نحو قمة جبل المقاومة والوحدة, حيث النجاة من السيول الأمريكية الجارفة التي تستهدف قتلنا وتدمير قضيتنا في زمن القحط العربي؟