صبر المؤمن على الابتلاء يعلمه العطاء

غزة- مريم الشوبكي:


يوقن العبد المؤمن أن الأمور كلها بيد الله (عز وجل) ومشيئته، ولكن هذا اليقين قد يتزعزع ويضعُف عند وقوع البلايا والمحن، فإذا علم العبد أن الجزاء يعظم على قدر عظم البلاء، وأن ذلك علامة على حب الله (تعالى) للعبد، فلن يتزعزع ذلك اليقين أبدًا.

رئيس رابطة علماء في فلسطين برفح عدنان حسان بين أن الابتلاء سنة الله الجارية في خلقه، وتتفاوت من إنسان إلى آخر، ابتلاء في رزقه أو معيشته أو صحته.

اصطفاء

وذكر حسان أن بلاء الله ينزله على المؤمنين ليصطفي الله هؤلاء الناس ويخلصهم من الذنوب والخطايا "إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا"، دل ذلك على أن من حكمة الله في خلقه أن يبتليهم بما يشاء.

‏ سُئل الامام الشافعي: "أيُّ الأحوال أحبّ إلى الله العطاء أم البلاء؟"، فقال: "ما جاءَ العطاءُ إلا بعد البلاء؛ فاصبر على البلاءِ تُبشَّرُ بالعطاء".

وذكر أن الصبر يربي الإنسان على العطاء، وأن فرج الله قريب لا محالة، فالبلاء سحابة صيف لابد أن تنقشع، وعلى المؤمن أن يتحمل هذه الابتلاءات، قال (صلى الله عليه وسلم): "مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَا أَجِدُ لَكُمْ رِزْقًا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ".

ولفت رئيس رابطة علماء فلسطين إلى أن الصبر على البلاء مرضاة لله (تبارك وتعالى)، وهو محطة لصقل النفس البشرية، وتخليصها من حب الذات والشح، ومعرفة نعم الله التي أنعم بها على الإنسان، فحينما ينظر من ابتلي بفقد ماله إلى شخص ابتلي بعاهة يرى أنه يمتلك الكثير من النعم الكثير.

وأكد أن الابتلاء إن اشتد فهذا ليس معناه أن الله غضب على العبد، بل أنه يريد أن يطهره ويصطفيه ويكرمه.

منازل عليا

وذكر حسان أن الله يهون البلاء، وأنه كفارة للذنوب ومطهرة، وَعنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرَيْرة (رضيَ اللَّه عَنْهُمَا) عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلَّا كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه" متفقٌ عَلَيهِ.

وعن رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: "مَا ابْتَلَى اللَّهُ عَبْدًا بِبَلَاءٍ وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةٍ يَكْرَهُهَا إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْبَلَاءَ لَهُ كَفَّارَةً وَطَهُورًا مَا لَمْ يُنْزِلْ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْبَلَاءِ بِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ يَدْعُو غَيْرَ اللَّهِ فِي كَشْفِه".

وبين حسان أن هذا الحديث النبوي يدل على أن البلاء تطهير لهذه النفس المؤمنة وتنقية، ودليل على حب الله للعبد، خاصة العبد المؤمن المسلم الذي يلتزم بما أمر الله.

ولفت إلى أن البلاء يبلغ الإنسان المنازل العليا عند الله، عن أبي هريرة (رضي الله عنه) مرفوعًا: "إن الرجل ليكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياه".

وذكر حسان أن ابتلاء الفقر يشعر الشخص بشعور الفقراء والمعوزين، حتى الفقير يستحب له أن يتصدق وهو في فقره، لأنه أقرب الناس إلى احتياج الفقراء ونفسياتهم، وبهذا يخرج شح نفسه، ويسابق الأغنياء في الأجر.

حتى المريض في مرضه عندما ينظر إلى غيره من المبتلين يخرج شح نفسه، فنظر الإنسان إلى من دونه أولى من النظر إلى من فوقه جسدًا ومالًا وغير ذلك، حسبما بين.

وأشار إلى أن صاحب الابتلاء عندما يصبر ويقنع نفسه بأنه عنصر فعال في المجتمع سيستشعر قيمته ويرضى بقضاء الله، وهذا يورث الإنسان حلاوة الإيمان.