​ساري أبو عودة.. شهيد "الواجب والنخوة"

غزة - هدى الدلو

انطلق كالسهم حينما رأى صديقه المقرب ابن جيرته يصاب بطلق ناري ولا يجد من يسعفه، صرخ بين الجموع: "إنه حمدان"، حاول بعض الشباب منعه؛ فقناصة الاحتلال لهم بالمرصاد، خاصة أن المصاب كان متخطيًا مسافة متقدمة على الحدود الشرقية.

لكن "صاحب النخوة" رفض وسارع حاملًا روحه على كفه، احتضن صديقه بين ذراعيه كدرعِ حماية لتباغته رصاصة في قدمه، ومع ذلك آثره على نفسه وحمله لإسعافه، لكن قذائف مدفعية الاحتلال الغادرة كانت أقرب إليهم من أي شيء آخر.

انهالت عليهما القذائف، فلم يترك "ساري" صديقه "حمدان"، مع أن إصابته بالغة، بل استمر في احتضانه لحمايته، لكن لا مفر، لم يجد حوله من يسعفه وصديقه، فاتصل بوالده ليعلمه بإصابته، ونطق بالشهادتين على مسامعه وصعدت روحه إلى بارئها، كلاهما غادرا الحياة شهيدين رويا بدمائهما طريق العودة إلى ديارهما التي هجر أجدادهما منها عام 1948م.

تداولت الأخبار استشهاد كلٍّ من "شهيد الواجب" كما يطلق عليه بعضٌ ساري أبو عودة (28 عامًا)، وصديقه حمدان إسماعيل أبو عمشة، بقصف مدفعي على بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة مساء يوم الجمعة الماضية، والأكف متضرعة لله بأن يتقبلهما وينتقم من قاتلهما المحتل.

هو الحياة

في بيت الشهيد أبو عودة كان عرس شهادة، ينبئ بأن دماء زكية فاح عبيرها، لكن وجع الفراق لا يمكن إخفاؤه، فوالد الشهيد بدا شارد الذهن، يطالع صورة ابنه المعلقة في صالة البيت، وجهنا إليه سؤالًا عن بعض ذكرياته عن ساري، سبقت دموعه إجابته وصار يُلملم حروفه المبعثرة، فأجاب: "ساري فش منه اثنين، استشهاده قصم ظهري، هو الحياة، يقولون إن الأب عمود البيت، لكن ساري هو عموده".

وعاد والده بالذاكرة إلى يوم رحيله، ذكر أنه رفض مبيته في ثلاجة الموتى حين جاءه نبأ استشهاده، إكرامًا له، وأراد هو أن يصلي عليه ويلحده، مسترسلًا: "كان من المحافظين على صلاة الفجر، المداومين على الصلاة في جماعة، وقد استشهد وهو في ذمة الله".

أما والدته التي أخذ يحدثها ساري عن ضرورة المشاركة في مسيرة العودة، ورفضت الذهاب، وحاولت إقناعه بالعدول عن موقفه، وأن الاحتلال مجرم ويقتنص الشباب اقتناصًا؛ فلم تفلح في مقصدها أمام إلحاحه الشديد بالمشاركة، حتى إنه حملها "إثم" عدم مشاركتها.

استذكرت صبيحة يوم الجمعة حين عاد ساري من عمله، وجلس مع عائلته لتناول طعام الغداء، ثم صلى العصر في المسجد وذهب إلى المشاركة في "مسيرة العودة وكسر الحصار"، ملبيًا نداء الوطن.

واستطردت بابتسامة يملؤها وجع الفراق عن مواقف جميلة له قائلة: "كل ذكريات ساري حلوة، يكفيك ضحكته التي لا تفارق محياه، عمره ما كسر بخاطر إنسان أو اشتكى أحد منه، كان عندما يراني حزينة من والده أو إخوته يراضيني، ما كان يهون عليه حزني".

لدى أم ساري شهيد قبله، وهو إسماعيل، استشهد عام 2010م، ولم يتجاوز عمره خمسة عشر عامًا، ولكن لساري "البِكْر" موقع خاص ومختلف في قلبها، قالت: "ربنا يرحمه، كان يتمنى الشهادة، كل كلامه وحديثه عنها، وعندما أعترض كان يقول لي: (شو بدك أحلى منها؟!، يا رب أتفتفت وياكل لحمي الطير)".

ساري الذي له أربعة أبناء عشق طريق الاستشهاد والدفاع عن الوطن، فامتطى جواد الجهاد وترجل، وسار على درب المقاومين منذ عام 2007م، مع كل عدوان إسرائيلي على غزة كانت والدته تضع يدها على قلبها خوفًا من أن تسمع خبر موته، "الحمد لله كان يسلم بفضل عناية الرحمن" أضافت، مكملة: "في عدوان 2014م نزح أهالي بيت حانون بسبب شدة القصف، إلا أن ساري ورفاقه رابطوا في المكان مدة 43 يومًا".

تابعت: "كنت أحيانًا ألمحه ببدلة عسكرية تشبه زي جنود الاحتلال، فيرتجف قلبي عليه، فيضحك ويقول لي: (أتعتقدين أننا سنتركهم يجتاحوننا ويدخلون علينا بأسلحتهم، نحن من سندخل عليهم في عقر دارهم)".

متظاهر سلمي

أما زوجته التي كانت تبكي بصمتٍ فراقه فقالت: "كانت وصيته الأولى والأخيرة: "ديري بالك على أولادنا وأمي"، وقبل خروجه للمشاركة في المسيرة السلمية أخبرني أنه يشعر بالنعاس ويحتاج للنوم والراحة، وهاهو نام نومته الأبدية".

يُلجم لسان زوجته عند سؤال طفليه الأوسطين عن والدهما وسبب غيابه عن البيت، أما ابنها البكر "وليد" (خمسة أعوام) _وكأن المهمة سهلة عليه كثيرًا_ استغربت عدم سؤاله عن والده مع تعلقه به، فبادرت بسؤاله: "وين بابا يا وليد؟"، فأجابها: "بابا في الجنة".

وعادت بالذاكرة قبل استشهاده بأسبوع، حينما جلس مع أبنائه وأبناء أخواته وأخذوا يرددون معًا: "على القدس رايحين شهداء بالملايين".

أضافت: "كان زوجي يعمل سائق أجرة، ويأخذ في طريقه كبار السن وأقرباءه، يوصلهم دون مقابل، كان صاحب واجب ونخوة".

لدى ساري ابن عم من ذوي الإعاقة، كان شديد التعلق به، ولم يستوعب غيابه عنه، فمنذ يوم استشهاده يذهب كل يوم إلى زيارة قبره وقراءة الفاتحة على روحه.

ونرجع إلى صديقه "أبو عمشة"، كثيرًا ما أثارت صداقتهما استغراب الآخرين لاختلاف تنظيميهما السياسيين، لكن علاقة الصداقة والجيرة كانت أقوى من أي شيء آخر، ووحدهما حب الوطن، بعيدًا عن مناكفات السياسيين.

والدة أبو عمشة استذكرت صديق ابنها بالقول: "كنت حينما تحدث خلافات بين ابني الشهيد ووالده آتي مسرعة إلى ساري لحل الخلاف، وقد كان رجل مواقف"، أضافت بتنهيدة ملأتها الطمأنينة بعد استشهاد نجلها وساري: "ما زال حمدان مع ساري، أنا مأمنة عليه".

واختتمت حديثها: "من شدة حزن البعيد قبل القريب على استشهاده كانوا عندما يأتون لأداء واجب العزاء يقولون: "ليتنا لم نكن نعرف ساري"، لا يتخيلون حياة دونه، قد رحل الشهم صاحب النخوة".