عائلته تفتقده بشدة في رمضان

صالح وطفله قيس.. وحكاية حرمان بطلها الاحتلال

رام الله- غزة/ يحيى اليعقوبي:

يمر رمضان الأول بعد غياب الشهيد صالح البرغوثي عن عائلته من قرية كوبر قضاء رم الله، في إثر عملية اغتيال نفذتها قوة خاصة من جيش الاحتلال الإسرائيلي في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، حينما كان يقود سيارته.

وبرحيله فقدت عائلته شيئًا كبيرًا، "ما زال الجميع هنا يشعر بالفراق، كان يعطي جوًّا مرحًا في رمضان، لا يزال صوته يتردد في أذني" هذا ما تقوله والدته "أم عاصف" بصوت مليء بالحزن، وهي تستعيد شريط ذكرياتها الرمضانية مع نجلها الشهيد، ما إن بدأت الحديث الهاتفي مع صحيفة "فلسطين" حتى دغدغت مشاعر الفراق قلبها، ومعها قاطعت الدموع الحديث منذ بدايته.

تمالكت نفسها، مسحت دموعها، بدأت تقلب دفتر الذكريات التي يزينها الحنين إلى نجلها في رمضان، قائلة: "ترك جرحًا كبيرًا؛ عزاؤنا الوحيد أنه شهيد، لم يغب عنا منذ استشهاده، معنا في كل دقيقة ولحظة، لا أنسى حينما يعود من عمله (سائق أجرة) يسألني بصوت جهور من بعيد: "شو بدك تسويلنا يا غالية؟"، ويقف معي في المطبخ ليساعدني بإعداد الطعام".

ما زالت تبحر في مواقف الشهيد الرمضانية بالانتقال إلى محطة أخرى: "كل مواقفه لا تنسى في رمضان، كان يعد القطائف ويصنع السلطات والفتوش، كان له لمسات في تزيين الطعام، لكونه يعيش معنا في البيت نفسه (..) اليوم حتى في الزيارات العائلية إلى خالات الأولاد نفتقده، غاب صوته المرح خلال الجلسات العائلية وصوته الفكاهي مع خالاته".

كان للرحلات الترفيهية إلى مدن الضفة الغربية نصيب من حياة صالح، فيوم الخميس من كل أسبوع كان يذهب في رمضان في رحلة مع أصدقائه بسيارته إلى مدن الضفة، يمضون يومًا مميزًا هناك، أما يوم الجمعة فيخصصه لعائلته، خاصة طفله "قيس"، وقد جاء أصدقاء صالح إلى والدته بعدما خرجوا في تلك الرحلة دونه، وصارحها أحدهم: "شعرنا بفقدان كبير لصالح، لم نهنأ وغادرنا المكان".

كانت والدته لما يعود صالح لبيته من عمله تقول لشقيقاته: "حتى حجارة وجدران البيت بتضحلك" لابتسامته الدائمة، "يما عيشي يوم بيوم، تسألنيش عن بكرا شو بده يصير، لأنه ربنا تكفل فيه" تحتفظ والدته بتلك المقولة التي كان يرددها ابنها في أحاديثهم المتكررة.

قيس (خمس أعوام) الوجه الآخر لوالده، أو إن شئت فقل "صالح الصغير"، تقول جدته: "هذا الطفل يقلد والده في كل شيء، حتى في طريقة حمل "سترته" يقلده حركات والده، يذكرنا بما يحبه والده من طعام وما يقوم به من أعمال".

حضر قيس لزيارة بيت جده، بالعادة يأتي يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع لزيارتهم، تسأله جدته في جلسة عائلية عن حلمه: "شو بدك تصير؟"، عادة يرد عليها بأنه سيصبح طبيبًا أو مهندسًا، لكنه هذه المرة خالف توقعاتها: "بدي أصير ساحر"، تعجبت جدته من رده الذي أخرج بسمتها، لكنه أجاب بطفولة: "عشان أخفي بيت ريما (والدته) وأبطل أروح هناك"، واصل الطفل مفاجأة الجميع ببراءة: "عشان ببعد عن تيتا وجده؛ بحب أضل هان مطرح مكان أبوي، أسوي كل ما كان يسويه".

"تستغرب الناس حجم تعلق قيس بوالده، فلا ينساه لحظة، لأن والده كان يحبه حبًّا شديدًا، يحب تربيته، وملاعبته، والمرح معه" تقول البرغوثي، مضيفة: "دائمًا ونحن جالسون يأتي قيس ويذكرنا بوالده وما كان يفعله".

جده الأسير المحرر عمر البرغوثي، الذي أمضى نحو 25 سنة في سجون الاحتلال وأفرج عنه الاحتلال الشهر الماضي بعد أربعة أشهر من الاعتقال الإداري، كان يعلق صورة نجله الشهيد صالح على جدران البيت، فرأى قيس جده يبكي، جاء لجدته جلس بحضنها وقال لها: "معلش خلي جدي يعيط، بابا كان ابنه".

"لما تغيبي عن الدار بحس الدار معتمة" ما زالت كلمات صالح هذه عالقة في ذهن والدته حينما كان طفلًا صغيرًا، وحينما كبر وتزوج كان لا يذهب إلى زوجته عندما يعود للبيت من عمله، قبل أن يمر بأمه ينادي بصوته المعروف لعائلته من بعيد: "وين إمي، اشتقت أسمع صوتك"، سألته في إحدى المرات: "معقول بتشتاق بجد؟"، وضع يده على كتفها وضمها إليه مبتسمًا في وجهها: "وأنت معي بكون مشتاق أسمع صوتك وأحضنك، يا غالية".