ريم بنا.. صوت فلسطين المقاوم

الناصرة / غزة - يحيى اليعقوبي

كانت تؤمن أن الفن شكل من أشكال المقاومة، تؤمن أن صوتها وأشعارها ولحنها هو نوع من أنواع الاشتباك مع الاحتلال الإسرائيلي، صالت وجالت مهرجانات ومحافل محلية وعربية ودولية، تغني للقدس والأسرى والحرية والإنسانية ولغزة المحاصرة، التي منعها المرض من زيارتها عبر سفن كسر الحصار.

ولدت الفنانة الفلسطينية ريم بنا يوم 6 ديسمبر/كانون الأول 1966 في مدينة الناصرة بالجليل شمالي الأراضي المحتلة عام 1948، وهي ابنة الشاعرة زهيرة صباغ.

تقول بنا على صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، إن أغانيها وألحانها مستمدة من وجدان الشعب الفلسطيني ومن تراثه وتاريخه وحضارته، "الموسيقى والألحان نابعة من صلب القصيدة وروافدها ومن الإحساس بإيقاع الكلمة، ويأتي التزاوج بين الكلمة واللحن بالأغاني العذبة التي تحملنا إلى سماء فلسطين ومنها إلى العالم".

"منذ بداية مشواره الفني حملت بنا مفاهيم الإنسانية التي تخاطب العالم بها، فكان لأغانيها وأعمالها الفنية رسائل ومدلولات سياسية ووطنية واضحة"، بحسب ما تقول رانيا إلياس، مديرة مركز يبوس الثقافي وهي صديقة مقربة من ريم.

وتضيف لصحفية "فلسطين": "فكانت تلك الأغاني تعبر عن النضال والسجن، والثورات بالعالم، والمرأة والطفل وعن القدس التي عشقتها وكانت تذهب إليها دائما، فكانت تحمل القضية الفلسطينية أينما ذهبت".

"ريم كانت أحسن سفيرة لفلسطين بحضورها على المسرح وثوبها الفلسطيني وتوصل الصوت للعالم بكل معاني الإنسانية"، تبدي إلياس فخرها بصديقتها.

مسيرة فنية

أصدرت ريما عدة ألبومات غنائية بلغ عددها 13 ألبوما وطغى عليها الطابع الفلسطيني الوطني مع اهتمام خاص بالغناء للأطفال، واستطاعت أن توصل صوتها إلى الفلسطينيين في سجون الاحتلال وفي المخيمات، وحيثما تواجد الفلسطينيون في أماكن العالم.

ومن أبرز الألبومات التي أصدرتها: "جفرا" عام 1985، و"مرايا الروح" عام 2005 الذي كرس للغناء عن الأسرى الفلسطينيين والمعتقلين العرب في سجون الاحتلال الإسرائيلي، و"دموعك يا أمي" عام 1986، و"الحلم" عام 1993، و"قمر أبو ليلة" 1995 وهو ألبوم للأطفال.

وهناك أيضا "وحدها بتبقى القدس" الذي أصدرته ريم عام 2001، و"مواسم البنفسج" عام 2007 وهو عبارة عن أغانٍ لفلسطين، و"تهاليل من محور الشر" عام 2004 بمشاركة فنانين عالميين، و"صرخة من القدس" عام 2010 مع فنانين فلسطينيين، و"لم تكن تلك حكايتي" عام 2006 مع الملحن الدانماركي هنريك كويتس، و"نوار نيسان" عام 2009 وهو أغاني أطفال مهداة إلى الأطفال الفلسطينيين اللاجئين.

ومن أبرز الأنماط الغنائية التي انفردت بها ريم هي التهاليل التراثية الفلسطينية، بالإضافة إلى أنها كانت تلحن الأشعار التراثية غير الملحنة بأسلوب حداثي خاص بها، مسترشدة بالموسيقى الشعبية الفلسطينية والعربية القديمة وإيحاءات موسيقى الشعوب في العالم.

وأعلنت الفنانة الفلسطينية توقفها عن الغناء عام 2016، بعد إصابتها بشلل بالوتر الصوتي الأيسر، وكتبت يومها تقول: "صوتي الذي كنتم تعرفونه، توقف عن الغناء الآن أحبتي.. وربما سيكون هذا إلى الأبد".

حبها لغزة

أحبت بنا غزة -تبعا لكلام صديقتها رانيا إلياس- وكانت دائما تغني وتكتب الشعر في كل الأحداث التي تعرضت لها غزة من حصار وعدوان، تحاول ايصال صوت القطاع المحاصر للعالم من خلال فنها، حتى أنه في إحدى المرات أرادت زيارة لغزة ولكن مرضها منعها عن ذلك.

وتقول: "خطت بنا طريقها الفني بمسار واضح كانت صادقة في رسائلها، ورؤيتها ومطالبها كانت تتمنى أن تغني في القدس وهي محررة من الاحتلال وأن تصعد إلى خشبة المسرح ولا يكون هناك احتلال لفلسطين"، مضيفًا: "أحبت ريم الغناء للحرية بشكل كبير وكانت لا تؤمن بالتعايش مع الاحتلال".

"لم يقيدها شيء فكان صوت بنا أعلى من كل القيود والحواجز الإسرائيلية، كانت متواضعة ويحبها الجميع، وأكبر دليل الحزن الذي ظهر فرأينا التفاعل المحلي والعربي والدولي حزنا على رحيها واشادة بأعمالها"، تعلق إلياس.

وامتازت بنا، والكلام ما زال لصديقتها، بالبساطة في تعاملها مع الناس، تَخصص جزء من عروضها للتواصل مع الأطفال، وتتابع بنبرة صوت حزينة "كنا نأمل أن تبقى معنا خاصة أنه مفترض أن تطلق اسطوانتها الجديدة في صيف هذا العام في القدس ورام الله وعمان".

وعملها الفني الجديد هو عبارة عن الأصوات التي كانت تصدر خلال إجرائها صور الأشعة والفحوصات الطبية المختلفة خلال سنوات مرضها العشر، فترجمتها لعمل فني وكانت تود إلقاء الشعر عليها واصدارها.

وأنتجت بنا العديد من الأسطوانات للأطفال والكبار وأسطوانات محلية، ورحلت وتركت منتوجا فنيا كبيرا سيبقى يجسد تجربتها ويذكرنا بريم التي كانت تقدم كل ما تملك من صوت ولحن للشعب الفلسطيني والجمهور الذي كان ينتظرها أينما ذهبت وحلت، تقول إلياس.

تلقت ريم خلال مسيرتها الفنية عدة جوائز، أبرزها تكريمها كشخصية العام وسفيرة السلام في إيطاليا عام 1994، وشخصية العام من وزارة الثقافة التونسية عام 1997، كما فازت بجائزة فلسطين للغناء عام 2000، وبجائزة ابن رشد للفكر الحر عام 2013.

اختيرت ريم شخصية فلسطين الثقافية عام 2016 تقديرا لمسيرتها الطويلة في الغناء من أجل فلسطين وأطفالها.

وتوفيت بنا فجر أمس عن عمر ناهز (52 عامًا) في أحد مشافي مدينة الناصرة في الداخل المحتل، بعد صراع مع مرض السرطان، علما بأنها كانت قد أصيبت بسرطان الثدي وهزمته.

مواضيع متعلقة: