خمس بصمات إسرائيلية بجسده .. والسادسة "قاتلة"

​روح "علي" تجاور جده وعمه الشهيد.. وباب جدته لن يقرعه "روح الروح"

صورة أرشيفية
غزة/ يحيى اليعقوبي:

"أمي".. سأرقد ليلتي الأولى في قبر بارد.. بعيدًا عن دفئك، عن حنانك.. لن تطبعي قبلة على وجنتي تضيئين بها نهاري، سأزورك فقط في المنام، ستقلبين دفتر الألم والذكريات؛ "أمي".. خرجت بقلب ينبض للحياة والأمل، وعدت جثة هامدة مدرجًا بالدماء: توقف النبض.. وسكنت الروح؛ انقطع الاتصال بيننا وانتهت الحكاية.. ستبحثين عن طيفي.. عن صورتي ستجدينها فقط معلقة على مدخل البيت مكتوبًا فيها الشهيد "علي الأشقر".

هو حوار بين روحين، طفل صغير أعدمه جنود الاحتلال ورحل شهيدًا محمولًا على الأكتاف، وأم تذرف دموع الفراق بين نسوة ومعزين في لحظة ألم، سيتكرر هذا المشهد وكأنه حكم على قلبها بالحزن المؤبد والعيش أسيرة الألم، فما أصعب فراق فلذة الكبد! وما ذنب طفل بريء؟ سؤال تخفيه نظرات والدته الغائبة وراء دموعها، وكذلك صوتها الذي لم تستطِع البوح بكلماته فانهمرت الدموع لتقول ما يصعب قوله علينا، وهي تستند برأسها إلى أحد الجدران، شاردة في غياهب الألم.

اللحظات الأخيرة

بدا كل شيء هادئًا يوم الجمعة (6 سبتمبر/ أيلول 2019م)، في منزل عائلة "الأشقر" بمخيم جباليا شمال القطاع، يستأذن علي (17 عامًا) من والده السماح له بالذهاب مع والدته لزيارة جدته بعد تناول طعام الغداء على مائدة واحدة.

تمسح أم علي دموعها وهي تكمل ما حدث بعد ذلك: "جلس عند جدته حتى جاء صديقه ينادي عليه من أمام المنزل، فسمحت له برؤيته حتى فقدته، فنظرت في الخارج فكان مغادرًا دون رجعة"، جدته التي تجلس بجوارها تذكر ما تبقى من هذه اللحظات الأخيرة: "جلست مع حفيدي لمدة ساعتين، كان يشتكي من إصاباته وطلب مني أن أعطيه التقارير الطبية الخاصة به لأنه سيذهب إلى مستشفى الإندونيسي للمراجعة قبل موعد عمليته الجراحية الاثنين القادم، وبعدها فقدته".

بخمس إصابات تجمعت في منطقتي اليدين والقدمين، عانى علي ألمها، خلال مشاركته بمسيرات العودة، كثيرًا ما كان يتكئ على عكازه يجر قدمه المصابة بخطى متثاقلة، ينهض من بين أنين الجرح وألم الإصابات، معلنا التحدي: "لا حياة دون كرامة"، ومشاركًا في هذه المسيرات التي كان يراه ملاذًا وخيارًا لاسترداد حقوقه المسلوبة.

لكل مشارك في مسيرات العودة وكسر الحصار أحداث ومواقف لا تنسى، بعضهم طبعها في شريط الذكريات، والبعض الآخر كتبها بالدم، كحال الشاب علي الأشقر الذي أصيب خمس مرات وكانت السادسة قاتلة حينما أعدمه جنود جيش الاحتلال أول من أمس بطلقة متفجرة أصابت قلبه فأسكنت الروح والجسد ليرحل شهيدًا.

بدت والدته متعبة لا تقوى على الكلام، وكلّما يزورها المعزيات لمواساتها في مصابها تزورها بين الدقيقة والأخرى دموعها التي لا تتوقف عن ذرفها حزنًا على فراق فلذة كبدها، حتى تمالكت بعض الشيء، قائلة: "ذهبت للمشفى معتقدة أنه مصاب بالفعل، استبعدت جميع احتمالات استشهاده.. وصلت المشفى فوجدته ملفوفًا بالكفن؛ أتمنى ألَّا يذوق أحد مرارة هذه اللحظة وقسوتها على قلبي، وكأنني أفارق روحي وليس ابني".

"كان مقررًا أن يخضع علي لإجراء عملية جراحية (زراعة بلاتين بقدمه) يوم الاثنين القادم".. قالتها والدته قبل أن تسكتها دموعها.

علي يجاور قبر عمه

الفراق حزن كلهيب الشمس يبخّر الذكريات من القلب ليسمو بها إلى عليائها، فتجيبه العيون بنثر مائها لتطفئ لهيب الذكريات، في هذه اللحظة وهذه الحالة لا تخفي الجدة تعلقها بحفيدها: "بموت عليه.. هو روحي الله يحرمهم زي ما حرمونا"، متبعة كلامها: "استشهد ابني إياد في الانتفاضة الفلسطينية الأولى بنفس اليوم وبنفس عمر حفيدي".

أذاب ألم الفراق؛ قلب هذه الجدة فقبل سنوات ودعت ابنها واليوم حفيدها، وليست مصادفة أن يجاور علي قبر عمه الشهيد، وجده المتوفي الذي يحمل اسمه في مقبرة واحدة، فتجاورت القبور والأرواح.

ما أن تلقي الشمس بخيوطها الذهبية كل صباح، وما أن يستيقظ علي من نومه ينزل إلى شقة جدته بالطابق الأرضي من المنزل، وحينما يجدها نائمة، يطلب من زوجة عمه أن توقظه من نومه وهو يجلس على باب شقة جدته، رافضا إيقاظها من نومها بقرع الباب، مشهد كان يتكرر كل صباح، طامعا في قبلة يضعها على كفة يد جدته، راجيا منها دعوة محب.

في هذه اللحظات كانت جدته تتلقف القبلات من حفيدها تمنحه في المقابل أطباق الحنان وتلفه بالأشواق، يعود طفلا بين أحضان ابتسامتها، فتعلق القلبان بشدة، غادرنا هذا المشهد المؤلم وهن ينتظرون قدوم جثمانه لمواراته الثرى فأي إنسان يموت، لا ينتهي بنظر الذين يحبونه إلاَّ إذا غسلوه بالدموع، الدموع هي ذرات التراب الأخيرة التي تجلّل الميت وتقول لهم إنه رحل بلا عودة.