رصاصة تقتل ماضي الحالم بالوصول لشهرة "رونالدو"

غزة- عبد الرحمن الطهراوي

كانت أحلام الطفل حسين ماضي جميلة كعمره الوردي، حلم بأن يكون لاعبًا مشهورًا في عالم الكرة المستديرة، ترقب بلهفة حلول اللحظة التي يتجاوز بها حدود قطاع غزة المحاصر في سبيل المستديرة وكذلك طلبًا للعلم، ولكن كل ذلك تلاشى بمجرد اختراق رصاصة قناص إسرائيلي جسده الصغير.

وفي السادس من أبريل/نيسان الماضي، اغتال الاحتلال الإسرائيلي أحلام الشهيد ماضي (14 عامًا)، في أثناء مشاركته في فعاليات الجمعة الثانية من مسيرة العودة وكسر الحصار السلمية شرق مدينة غزة، قبالة السياج الفاصل مع الأراضي المحتلة سنة 1948.

قبيل استشهاده ببضعة أيام، لم يتوقف ماضي عن طرح سيل أسئلة يدور فلكها حول المسيرة السلمية: "ماذا تفعل تلك الجموع على الحدود؟ ولماذا لا يخاف الناس من الجنود المسلحين؟ وهل هذه المسيرة ستسمح لي بالعودة إلى قريتي بيت جرجا التي حدثني جدي عنها كثيرًا؟".

الأجوبة التي تلقاها حسين كانت كفيلة بأن تفتح له مع جدته، التي تربى في حضنها منذ طفولته الأولى، حوارًا سريعًا وفق السيناريو الآتي:

- حسين: "ستي أنا بحبك أكثر من حبك إلي بألف ألف مرة".

- الجدة "بصوت ضحوك": "قول يا حسون شو بدك".

- حسين: "بطلت أسافر لما أكبر، شو بدها تعمل شهادات العالم كله ووطني محتل؟".

- بعد صمت وتنهيدة، ترد الجدة باستغراب: "شو بتقول.. الوطن محتاج شهادتك والمستقبل بانتظارك".

- سريعًا جاء الجواب: "بل المستقبل هو الوطن".

على صغر الجواب الأخير راحت آلاف الأسئلة الثقيلة تغزو عقل الجدة الهائج بالخوف، كان أبرزها "بماذا يفكر حسين؟"، ولكنها لم تنتظر طويلًا حتى جاء الجواب على هيئة خبر صاعق.

في صبيحة يوم الرحيل وكعادته تجهز حسين لأداء صلاة الجمعة في المسجد القريب من منزله، في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، ولكن على غير عادته حاول الإمساك بهاتف جدته بعيدًا عن عينها قبل الخروج.

مرّت دقائق على انتهاء الصلاة ولم يعد إلى البيت، "يمكن واقف مع صاحبه.. راح على الدكانة.. دقائق وسيكون هنا"، يحاول أعمام حسين تهدئة فؤاد الجدة بتقديم أجوبة تنافي الحقيقة التي كانت غائبة حتى تلك اللحظة عن أذهان الجميع.

وفي خضم نزاع السؤال المفزوع والجواب العشوائي وعلى وقع الاستعداد لإطفاء شمعة عيد ميلاد أحد أحفاد العائلة، جاء اتصال لأحد الأعمام: "هناك شهيد مجهول الهوية في ثلاجات مجمع الشفاء وربما يشبه...".

قبل أن يكمل المتصل حديثه، أصابت رعشة قلب الجدة وكأن أحدهم أخبرها سابقًا أن الشهيد المجهول سيكون ضي العين حسون، وكيف لا وهو الذي كتب على صورة تحمل خلفية علم فلسطين: "احتمال أكون بكرة شهيد.. ادعولي"، في أثناء إمساكه بالجوال خفية في الصباح.

"حسين كان شعلة حياة متنقلة، يأسر القلوب بسحر ابتسامته"، يقول الجدّ الصابر "أبو حسين" لصحيفة "فلسطين"، مضيفًا: "كان يحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم مشهورًا يشار له بالبنان كنجم نادي ريال مدريد الأسبق كريستيانو رونالدو، كان يحلم باللحظة التي يعود بها إلى جدته حاملًا شهادة الطب، ولكن كل ذلك مات إلى الأبد بفعل الاحتلال الذي يجب أن يزول".

ولعب حسين في صفوف فريق الناشئين بنادي الصداقة الرياضي، بمخيم الشاطئ للاجئين غزة مدينة غزة، وكان معروفًا بمرونته العالية وتسديداته الصائبة، الأمر الذي جعله يحظى على الدوام بإشادة الجهاز الفني للفريق، فضلًا عن تميزه في فرقة كشافة نادي الشاطئ إذ كان يحمل توصيف "الكشاف المتقدم".