رصاصة إسرائيلية لم تمنع الطفل "مجد" من إكمال لوحة عرفات

الطفل مجد المدهون
غزة - الأناضول

تركيز شديد ظهر في عيون الطفل مجد المدهون، بينما يحرك قلمه الرصاص بخطوط باهتة على لوحة للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، منعته من إكمال ملامحها رصاصة إسرائيلية أصابته خلال مشاركته باحتجاجات قرب حدود غزة.

وخطط الطفل المدهون، الذي يقترب من إكمال العام الـ13 من عمره، للإعلان عن لوحته الرصاصية الجديدة للزعيم عرفات بداية الأسبوع الجاري، إلا أنه أصيب بعيار مطاطي (كرة معدنية مغلفة بالمطاط) في رأسه، الجمعة الماضية، أثناء قمع قوات الاحتلال الإسرائيلي للآلاف من المتظاهرين قرب الحدود الشرقية لقطاع غزة.

لم تمنعه نبضات الألم، التي تسري في رأسه بعد يومين من إصابته، من محاولة إكمال ملامح عمله الفني الجديد الذي سينضم إلى أكثر من 400 لوحة رسمها الطفل "مجد" منذ أن كان عمره 5 أعوام فقط.

ويقطع الفنان الصغير تركيزه للحظات ليتأمل في مجموعة من لوحاته المميزة التي أحاط بها سريره لعلها تمنحه دفعة من الطاقة تساعده على إكمال عمله، فجسده النحيل قد أنهكته الإصابة فهي الثانية خلال أربعة أشهر.

وفي يوليو/ تموز الماضي، أصيب "مجد" برصاصة إسرائيلية في ساقة خلال مشاركته بذات المسيرات، قرب الحدود الشمالية للقطاع.

واللوحات، التي تحتضن سرير "مجد"، تحمل وجوهًا لشخصيات فلسطينية وعربية أحبهم الرسام الطفل، كزعيم حركة "حماس" الراحل الشيخ أحمد ياسين، والرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والمسعفة الفلسطينية التي استشهدت برصاص الجيش الإسرائيلي في يونيو/ حزيران الماضي، خلال عملها بـ"مسيرات العودة" شرقي غزة.

وتشهد الحدود بين الأراضي المحتلة وقطاع غزة منذ 30 مارس/آذار الماضي "مسيرات العودة" التي ينظمها الفلسطينيون رفضا للحصار المفروض على القطاع منذ أكثر من 12 عاما، وتأكيدًا لحقهم في العودة إلى أراضيهم.

ويقمع جيش الاحتلال الإسرائيلي هذه المسيرات بعنف، ما أسفر عن استشهاد عشرات الفلسطينيين وإصابة الآلاف بجراح مختلفة.

لوحات أخرى كانت تروي بلونها الرمادي حلم الطفل "مجد" ونحو 5 ملايين لاجئ فلسطيني بالعودة لمدنهم وقراهم التي هجرتهم منها العصابات الصهيونية عام 1948، ليستقر بهم الحال بمخيمات داخل فلسطين وخارجها.

و"مجد" هُجر جد والده من مدينة "المجدل" القريبة من شمالي قطاع غزة عام 1948، وتقطن عائلته حاليا بمخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين، غربي مدينة غزة، أحد أكثر المناطق كثافة سكانية وزحامًا في العالم.

وبعد دقائق استغرقها الرسام الصغير بتأمل لوحاته، تحدث لوكالة "الأناضول"، وعاد ليكمل ملامح وجه عرفات.

ويقول "مجد": "نعم. أشعر بالألم لكن هذا لن يمنعني من إكمال لوحة أبو عمار (الزعيم ياسر عرفات) فقد استغرقت مني وقتًا أكثر من اللازم".

"الرسم أهم شيء في حياتي فأنا أرسم منذ كان عمري 5 أعوام أعمالي تخطت الـ400 لوحة معظمها لشخصيات من حياتنا اليومية مثل جدي وشهداء في منطقة سكني وقادة فلسطينيين ومقاومون قتلتهم إسرائيل"، يكمل الطفل الفلسطيني.

ويعتقد "مجد" أنه سيصبح في يوم ما، أحد أشهر الرسامين في العالم، وسيقيم معارض للوحاته بدول عربية وعواصم عالمية.

هذا الحلم أو الهدف، كما يقول الرسام الصغير، منحته إياه والدته وجده فهما من زرعا في قلبه الإرادة لتنمية موهبته ووفرا له كل الإمكانيات لذلك.

لم يتلق الطفل الفلسطيني، الذي يكتفي بالقلم الرصاص في رسم معظم لوحاته، أي دروس أو دورات بهذا الفن، وظلت موهبته ومطالعته لرسومات عالمية المصدر الوحيد لتنمية مهارته حتى وصلت أعماله لما هي عليه من إتقان وجاذبية.

يحتاج "مجد" لمتوسط 7 ساعات لإكمال أي لوحة، مهما كانت تفاصيلها معقدة، يوزعها على يوم أو يومين حتى لا تؤثر موهبته على دراسته.

ورغم إصرار الطفل الغزي على تحقيق حلمه بأن يصبح رسامًا عالميًا، إلا أنه يخشى أن تتواصل الظروف السيئة التي تشهدها غزة، وتمنعه من الوصول إلى هدفه، فالكثير من الشبان، كما يقول "مجد"، تحطمت أحلامهم بسبب ظروفهم الاقتصادية الصعبة أو عدم قدرتهم على السفر إلى خارج القطاع المحاصر منذ 12 عامًا.

ويفرض الاحتلال الإسرائيلي حصارًا بريًا وبحريًا على قطاع غزة، منذ فوز حركة "حماس" بالانتخابات البرلمانية عام 2006، وشددته عقب سيطرة الحركة على القطاع كليًا عام 2007.

ويعاني قطاع غزة، حيث يعيش قرابة مليوني نسمة، من أوضاع معيشية متردية للغاية، جراء الحصار وتداعيات حروب شنها الاحتلال على غزة في الأعوام (2008 و2012 و2014).

وبحسب بيانات أممية نشرت العام الماضي، فإن قرابة 80% من الفلسطينيين في القطاع يعيشون على المساعدات الإنسانية.