رمضان غزة.. "جنود مجهولون" في الشوارع

إفطار جماعي على أنقاض بناية سكنية دمرها الاحتلال
غزة/ نبيل سنونو:

"خلف كل صورة جماعية هناك فرد يضحي ولا يظهر في الصورة لأجل التقاطها"، هذا هو مفاد إحدى الحكم الشعبية التي ينطبق مفهومها على عدد من أصحاب المهن والقائمين بطقوس شهر رمضان المبارك في غزة.

وكل من هؤلاء هو "جندي مجهول" يظهر أثر عمله على الأرض، لكنه غير معروف اسمًا لدى كثير من الناس.

"المسحراتي الطفل"

"اصحى يا نايم وحّد الدايم"؛ ألف المواطنون في قطاع غزة سماع هذه المقولة الشهيرة من صوت "خشن" يتفنن في تلحينها بين الأزقة والشوارع، لكنهم أخيرًا باتوا يسمعونها من صوت "ناعم" يعود لطفل يرافق أباه في مشواره.

في ساعات ما قبل الفجر ينطلق الطفل مرتديًا زيًّا تراثيًّا (طاقية، وسترة)، وبيديه طبلة يقرعها، مرددًا ما يتسلل إلى أسماع المواطنين ويوقظهم، قبل أن يبدؤوا صيامهم نحو 16 ساعة.

وإن مظهر انتشار المسحراتي جزء من التراث، وتتعدد روايات ظهوره، لكن يقال: إن المسحراتي في القدس -مثلًا- بدأ في العصر المملوكي، وهو الذي ينبه المواطنين، ويكافَأ في نهاية رمضان بما يجودون به من مال أو طعام.

حتى مع انتشار الساعات المنبهة والهواتف النقالة، التي باتت بديلًا مناسبًا لإيقاظ أصحابها في أوقات تناول السحور، إن المسحراتي لا يزال يحافظ على مكانته بصفته موروثًا جيلًا بعد جيل.

ويبدو على الطفل الذي لم يتجاوز بعد 10 أعوام من عمره انسجامه مع أبيه، إذ يتبادلان الأدوار ببراعة في قرع الطبول والنداءات.

"إيثار"

هو رجل يحني ظهره ليستقيم مظهر وطنه، ويخرج إلى عمله في الشوارع في ساعات مبكرة، عندما تكون الشمس في طريقها لإضفاء أشعتها الذهبية على البلاد.

يرتدي غالبًا سترته البرتقالية ويتفقد نظافة الشوارع، كأنما يرسم لوحة فنية عريقة يحافظ على كل زاوية منها بأبهى ريشة ولون.

إنه عامل النظافة الذي يتفنن في عمله، ويشارك العديد من زملائه في هدف يعملون على تحقيقه ليلًا نهارًا، ألا وهو ظهور كل مدينة فلسطينية بالشكل الذي يرضي أذواقهم.

"فوق الدمار"

مجموعة من الغزيين فضلوا إقامة مائدة إفطارهم فوق الدمار والركام، الذي خلفه قصف الاحتلال أحد المباني في غزة.

وانهالت عدسات كاميرات الصحفيين والناشطين على المنطقة لالتقاط صور توثق هذا الحدث، الذي جاء بعد أسبوعين من العدوان الأخير على القطاع، عندما دمر الاحتلال العديد من المنازل والمؤسسات المدنية.

وبدأ الصائمون الذين التفوا حول مائدة الإفطار كأزهار أينعت من جديد في هذا المكان، بعدما حاول الاحتلال إفناءها وقتل روح الحياة فيها.

وببراعة نجح هؤلاء الغزيون، الذين انتشرت صورة إفطارهم كالنار في الهشيم، في إيصال الرسالة الوطنية في الصمود والتحدي، وهي أن الشعب الفلسطيني يحب الحياة، ولن يتخلى عن أرضه أبدًا، مهما انتهج الاحتلال سياسة تدميرية.