فقدان الذاكرة لم يهزم قلب والدة الأسير

رحلت المسنّة "أبو مخ" ولم يقرع "صالح" باب البيت

كتب/ يحيى اليعقوبي:

"أنا بآخر زماني إذا ما مت الليلة بموت الليلة الجاية، مش متعشمة أضل طيّبة تا يروح صالح" حتى آخر لحظات حياتها ظلت والدة الأسير صالح أبو مخ متشبثة بحبل الأمل بأن تلقى نجلها الأسير، تشير إلى قلبها: "بوجعني (..) بحب ييجي بحضني".

انتظرته 33 سنة وهي تتجرع مرارة الشوق واللهفة لاحتضان لابنها، لم تحصل عليها إلا ساعة التقاط صورة تذكارية في سجون الاحتلال كل خمس سنوات، تسرق فيها ثواني معدودة لضم ابنها الأسير، تتمنى لو ينقطع اتصالها مع العالم.

على أمل لقاء خارج أسوار السجن، ظلت المسنة سمية أبو مخ (86 عامًا) تحلم، لم يكن هذا الحلم عابرًا لعام أو ثلاثة أو خمسة أعوام، بل نتحدث عن مدة اعتقال 33 سنة، تحملت خلالها مرارة الزيارات وطول المسافة تصل منهكة إلى السجن لرؤية ابنها. وقبل كل زيارة بأربعة أيام تجهز كل ما لذ وطاب له ولباقي الأسرى، وهكذا مرت الأعوام.

مرضت والدة الأسير قبل عامين، فتحدت المرض، وذهبت لزيارة ابنها، يجرها أبناؤها على كرسي متحرك، تضع بجانبها أنبوبة أكسجين متصلة بوصلات تنفس في أنفها، تزور ابنها الأسير في سجن جلبوع، حتى قام الاحتلال بنقله إلى سجن النقب وهناك انقطع التواصل بين الأم وابنها، وظلت روحها وقلبها يخفقان باسمه. في آخر شهور لها فقدت الذاكرة، حتى أنها لم تذكر أن ابنها أسير لكنها ظلت تذكر أن لديها ابنا اسمه "رشدي" أو كما تحب مناداته "صالح" وتريد احتضانه.

حتى فقدان الذاكرة لم يهزم قلب والدة الأسير، الذي ظل ينبض باسمه، كانت تحلم برؤيته واحتضانه خارج السجن، جهزت له شقة على أمل أن تفرح به، فما أصعب أن تُحرم الأم احتضان ابنها، وظلت متلهفة لذلك حتى في آخر أيامها كما تروي شقيقة الأسير جميلة (64 عامًا) لصحيفة "فلسطين". كانت والدتها تسأل باستمرار عن نجلها: "متى بده يجي على الدار.. بدي أشوفه" كان هذا السؤال المتكرر منها لأولادها، بعدما فقدت الذاكرة.

لكنها لم تنس شيئًا حرمت منه: "بدي صالح.. بدي أحضنه"، تتخيله أمامها يقرع باب البيت، تنادي على أولادها: "خلو الباب مفتوح.. صالح بده يجي"، تنتظره ساعة وساعتين وساعات أخرى، وأياما وشهورا على هذه الحال تسأل عن موعد عودته، وتطلب ترك الباب مفتوحًا، تردد اسمه وهي على فراش الموت.

وهي تلتقط آخر أنفاسها تردد بصوت خافت: "بدي أحضن صالح"، رحلت هذه المسنة ولم يشفع لها مرضها وكبر سنها أن ترى ابنها قبل الموت، توفيت قبل أيام عدة، مع أنه يتبقى عامان كي يتنسم ابنها الأسير الحرية.

عندما اعتقل رشدي، وهو من بلدة باقة الغربية في الداخل الفلسطيني عام 1986 ويقضي حكمًا بالسجن المؤبد، كان يبلغ من العمر 26 عامًا ومخطوبًا لفتاة تركها عقب صدور الحكم بحقه قائلًا: إنه "لا يريد أن يظلمها معه"، اليوم أصبح عمره 59 عامًا، خلال اعتقاله فقد والده وشقيقه ووالدته، ويعاني من أمراض عدة ويحتاج إلى رعاية صحية.

بعد عامين سيتحرر إنسان قضى جل حياته خلف القضبان، وأكل الحكم المؤبد من عمره كما أكل الشعر الأبيض من رأسه، يتجرع مرارة السجن، حيث فرق بين مرحلتين عمريتين تعكسهما ملامح وجه غيرتها سنوات السجن، كبر الأطفال من حوله وأصبحوا آباءً وهو لا يزال بالأسر يعيش حياة معزولة عن العالم الخارجي، على أطلال السجن ومن خلف القضبان كان يتمنى العيش مع والديه ولو للحظة واحدة خارج الأسر، لكنهما توفيا وحرم حتى من مواراتهما الثرى.