إقرأ المزيد


​"عرفات و حسن" القائد ونائبه.. رفيقان في الجهاد والشهادة

غزة - يحيى اليعقوبي

هي حكاية مُغلّفة بالتضحية والدم لروحٍ واحدة في جسدين، رفيقان كان كل منهما يأخذ بيد الآخر قائلاً: "أخي طريقنا شوك وأزهار، وقصف وريحان؛ لكننا الآن في طريقٍ واحد على أعتاب القدس؛ طريقٌ حفرناه بسواعدنا نحو الحرية".

كان نداء القلب حاضراً حينما قُصف النفق، اتصل عرفات بحسن يطلب منه أن يسبقه لإسعاف من هم تحت الأرض، في مواقف كهذه يُختبر المرء، ولا ينجح هنا سوى الرجال، فكيف إذا ما كانا رجلين ليسا عاديين.

طبعاً لم يتأخر حسن، وهو الذي لطالما تمنّى الشهادة، وملاقاة جيش الاحتلال وجهاً لوجه بساحةٍ واحدة، ليقول: "الأرض بدها رجال تحررها، والقادة يجب أن يكونوا قدوة لجنودهم"، نزل حسن ولم يخرج، نداء الروح بعث برسالةٍ إلى عرفات "أبو عبد الله" الذي لم يتأخر، حاولوا منعه فهو قائد لواء الوسطى بسرايا القدس، لكن لم يستطع أحدٌ صده عن النزول إلى أسفل النفق، مزّقوا قميصه مُحاولين منعه، لكنه كان يصرخ بأعلى صوت "أولادي اللي في البيت ليسوا أغلى من أبنائي تحت التراب"؛ ليسطر لهم درساً في التضحية حين ختم حياته بالقول: "سأنزل للنفق إما أن نخرج معا، أو أقابل وجه ربي معهم".

يا له من فداءٍ شهدته سجلات البطولة، عنوانها الشهيد عرفات مرشد، من سكان مخيم البريج مواليد عام 1969، ونائبه حسن أبو حسنين من مواليد عام 1982م، اللذان استشهدا باستهداف الاحتلال لنفقٍ يتبع للمقاومة شرق خان يونس في 30 أكتوبر/ تشرين أول الماضي، واستشهد معهما 10 آخرون، بينهم عضوان من كتائب القسام.

صناعة قادة

بهدوءٍ تتسلل كلمات الحنين والحزن من (أحد قادة سرايا القدس) الذي خصّ "فلسطين" بهذا الحديث ليستهلّه بسردِ أصعبِ محطةٍ أليمةٍ في الحديث عن حياة الشهيد عرفات: "ما أصعب أن أحكي عن إنسانٍ عاشرته لفتراتٍ طويلة، منذ الثمانينيات من القرن الماضي، فما بالنا لو كان إنساناً مثل "أبو عبد الله".

ويضيف: "مشواره المُقاوِم بدأ يتشكل في بيته بمخيم البريج، وببيت شقيقه الشهيد محمد (قائد لواء الوسطى السابق الذي اغتاله الاحتلال عام2007)، حيث كان يزوره مؤسس حركة الجهاد الشهيد فتحي الشقاقي لعقد جلساتٍ تنظيمية ودينية".

ويصف بدايات الشهيد بالقول: "كان ذلك الفتى الصغير يجلس بين هؤلاء الشباب ليصغي بكل كيانه، وهكذا تشكلت بداية اقتناعه بأفكار الإسلام وفلسطين على يد الشهيد الشقاقي".

وفي بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987م، أصيب أبو عبد الله في ساقه بعد أربعة أيام من اندلاعها، وبعد ذلك سُجن لدى الاحتلال الإسرائيلي في عام 1989م في سجن النقب الصحراوي لمدة عامٍ، بتهمة المشاركة في فعاليات الانتفاضة.

ويضيف أحد قادة السرايا المقرب من أبي عبد الله: "لفت انتباه شقيقه محمد عدة صفات، على رأسها أنه شخصية كتومة تحتفظ بالأسرار بطريقة غريبة، لذلك استعان به شقيقه في الكثير من المسائل التنظيمية ذات الطابع السري، ومنذ ذلك الوقت تدرّج أبو عبد الله في العمل التنظيمي، إلى أن تقلد مسؤولية قيادة لواء الوسطى عام 2007م بعد اغتيال شقيقه.

صارم وعطوف

دمعة تكاد تنساب بين جمله وهو يتابع: "ربطته علاقات متينة بقادة حركات المقاومة بمنطقة الوسطى؛ وكانت بينهم لقاءات شبه دورية؛ أحب أبو عبد الله الجميع، فرغم شخصيته القوية، كان عطوفاً رحيماً قلبه كقلب طفل، يحب العدل ويمقت الظلم بأنواعه كافة".

وبذات النبرة المتألمة يضيف :"كل من عاشرَه أحبه، لطالما آثرَ الآخرين على نفسه بطريقةٍ تُشعرك أنه الأب والآخرون هم أبناؤه، كانت أسعد أوقات حياته حين يُرزق بمولودٍ، فيمكث على أحر الجمر ينتظره".

حرصَ أبو عبد الله على الاستماع للآخرين في كل التفاصيل بعد ذلك يعطي رأيه، رغم إدراكه أن العمل العسكري في بعض الأحيان يخلو من اللين وإظهار العواطف أمام المقاتلين، حتى لا تفهم بشكلٍ خاطئ، ويغوص قائد السرايا كذلك في شخصية أبو عبد الله، قائلا: "إن كل من تعامل مع الشهيد اعتقد في البداية أنه قاسي القلب، فكان حازمًا بطرح كل إشكالية، إلا أن قلبه كان رقيقًا، ولم تكن دمعته بعيدة عن أي موقف يتأثر به، لكن هذه العواطف لا تظهر إلا أمام مجموعة بسيطة".

وتعرض أبو عبد الله لمحاولة اغتيال عام 2012م، حينما أطلقت طائرة مروحية إسرائيلية "صاروخاً" على شقة كان متواجداً فيها، إلا أنه نَجا من هذه المحاولة، كما قُصف بيت سكنه بمخيم البريج، خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة عام 2014م، ثم قصفت شقة أخرى بمخيم النصيرات الذي انتقلت إليه أسرته، لم يصب أي منهم، علما أنه لم يكن موجوداً في الشقتين.

وكأنها لوحة من الجراح والأشواق رسمها هذا المتحدث، وهو ينهي كلامه: "عمل أبو عبد الله ورفاقه على إنشاء نفق شرق محافظة خان يونس منذ ثلاثة أعوام ونصف، قبل قيام الاحتلال بقصفه نهاية تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، كان يحلم باليوم الذي ينال فيه كل الأسرى الحرية، لقد عاشَ رجلاً واسُتشهد رجلاً وترك بصماتٍ واضحة في حركة النضال الفلسطيني".

"حنون، كريم معطاء، يجود على الفقراء، أبي صاحب شخصيةٍ قوية، وقرارٍ حازم، متواضع، لكنه كان يغمرنا بالحنان "؛ هذه الكلمات الأولى التي تفوَّه بها الشهيد عرفات في عيون نجله "عبد الله " ( 20 عاما)؛ ولعله اندهش من تلك السيدة التي زارتهم قبل أيام؛ للتعزية، وذكرت أنه قدم لها مساعدات مالية، ولا تزال أسرة هذا الرجل تجهل الكثير عن هذا القائد الذي غاب عنهم كثيراً؛ بسبب انشغاله، حتى أنهم لم يروه قبل استشهاده بثلاثة أيام، إلا في الليل حينما يعود من عمله، يحتضنهم ويقبلهم جميعا وهم نائمون، كما أخبرتنا والدتهم، كان يحرص على السؤال عن مستواهم الدراسي بشكلٍ كبير.

ولدى أبي عبد الله ثمانية أبناء، خمسة أولاد وبنتان أصغرهم يبلغ العامين.

شهادةٌ تغيظ الأعداء

دعونا نقلّب في حياة الشهيد حسن أبو حسنين، وذلك بالتقاء مراسل "فلسطين" مع شقيقه محمد ( 33 عاما).

درس حسن في مدارس البريج، وامتاز بالذكاء، وحصل على بكالوريوس التربية الإسلامية من جامعة القدس المفتوحة، وتأثر بأحد شهداء الانتفاضة الفلسطينية الأولى وهو ابن عمته "مصطفى البيك"، بدأ عمله مع حركة الجهاد الإسلامي في الإطار الطلابي والعمل الجماهيري، عبر سيارات الإذاعة، واستمر على هذا النهج.

يقول شقيقه محمد: "مع بداية انتفاضة الأقصى عام 2001م بدأ عمله المقاوم، وكان له دور في إرسال مقاتلين من سرايا القدس لتنفيذ عمليات في عدة مستوطنات إسرائيلية، ثم اتجهت عيون الاحتلال صوب حسن بعد ذلك، فعلى أعتاب آذار 2003م ومع حلول المساء، وضعت خطة إسرائيلية لاقتحام مخيم البريج، اتصل أحدهم بحسن يحذره من ذلك الاجتياح، لكن الاتصال جاء متأخرا فقوات الاحتلال حاصرت المنزل، ثم خاض اشتباكاً معهم، فطلبوا منه عبر مكبرات الصوت الاستسلام، وعندئذٍ انطلق بطلقاتٍ أوصل بها رده، لتطلق قوات الاحتلال قذائف صاروخية لنفس الطابق السفلي الذي كان يتواجد فيه حسن، وظنوا أنهم قتلوه، إلا أنه أصيب بجراحٍ متوسطة، حينها استمر في العلاج لمدة عامٍ، وعاد بعدها ليكمل مسيرة المقاومة.

"أنا على يقين أن الله سيرزقني الشهادة؛ وإني أريدها شهادة تغيظ الأعداء"؛ هذا ما حدّث به شقيقه يومها، فلا ينسى محمد ما قاله لهم حسن حينما استشهد شقيقهم مصطفى أثناء الإعداد والتدريب: "لا تبكوا على رحيله لأن الله اصطفاه شهيداً".

بينما تقول زوجة حسن: "لقد تعودت على غيابه؛ ما كان يُصبرّني على ذلك أنه يعمل من أجل الله؛ اسأل الله أن يلهمني الصبر ويكتب ذلك في ميزان حسناتي".

يشار إلى أن لديه أربعة أبناء أصغرهم لم يتجاوز العامين.

تمر مشاهد ومحطات في عقل محمد، ليقف على وصفه لعلاقة حسن وعرفات، فهي علاقة تعدت حدود العمل إلى الأخوة، لم يتعاملا أبداً كقائدٍ ونائب، بل كانت التعليمات الصادرة منهما بنفس المستوى لدى "أفراد السرايا"، عملا وخططا مع بعضهما البعض في الحروب الثلاثة الأخيرة على غزة، وهما أول من أمر في سرايا القدس بإطلاق "صاروخ فجر" على مدينة تل أبيب، حصلا على دورة عسكرية في إيران وسوريا استمرت لمدة عام، وأسهما في إحداث نقلة نوعية بإعادة هيكلة لواء الوسطى بسرايا القدس.

وأضاف: "اهتم أخي بصلة الرحم، وكان محبوباً بين إخوته، ومواظباً على صلاة الفجر، وجريئاً بكل ما يتعلق بالمقاومة".

وتجدر الإشارة إلى أن حسن تعرض لمحاولة اغتيال بقصف سيارته عام 2012 فأصيب واستشهد سائقه، وقصفت شقة كان يتواجد بداخلها عام 2014م لكنه لم يستشهد، علما أن الاحتلال قام بقصف بيته بمخيم البريج في الحرب الأخيرة.