إقرأ المزيد


​ ربيع المؤمنين

بقلم: عماد صيام

التجّار البارعون ينتهزون مواسم محددة من العام يحققون فيها أرباحاً كثيرة، وكما أنَّ هناك تجّاراً يبحثون عن الكسب الدنيوي فإنَّ هناك من يتاجرون مع الله (تعالى)، ورغم أنَّ عبادتهم ليست موسميّة، إلا أنَّ لهم مواسم متميزة للطاعات يحققون فيها الثواب العظيم والأجر الجزيل، أسهمهم فيها ترتفع لتعوض قصر أعمار المسلمين، والمسلم الفطن من يبحث عن الثواب العظيم بأقل جهد ممكن مع استعداده الدائم لبذل كل جهد يستطيع لينال رضا رب العالمين.

وها هي الأيام التي يقصر فيها النهار ويطول فيها الليل.. ها هو فصل الشتاء قد جاء وهو ربيع المؤمنين وغنيمة العابدين، فعن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ (رضيَ اللهُ عنه)ُ، عَنِ النبيِّ (صلّى الله عليه وسلّم) أنهُ قالَ: "الشِّتاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ، طَالَ لَيْلُهُ فقامَهُ، وَقَصُرَ نَهَارُهُ فَصَامَهُ".

فلماذا وصف رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) الشتاء بربيع المؤمنين؟! قال ابن رجب: "إنّما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنّه يرتع في بساتين الطاعات ويسرح في ميادين العبادات وينزّه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه".

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة"، فما معنى الغنيمة الباردة؟! قال القاضي: "هي الغنيمة التي لم ينل غانمها حر السلاح وحازوها سالمين ظاهرين موفورين غير مكلومين"، وقد يكون البرد في هذا القول بمعنى الطمأنينة والراحة كما يقال: اللهم أذقنا برد عفوك، ومنه برد اليقين بمعنى الطمأنينة والسكون. وكذلك فإنَّ المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش فإن نهاره قصير بارد.

وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يفرحون بقدوم الشتاء، فعن عمر (رضيَ الله عنه) قال: "الشتاء غنيمة العابدين" وقال ابن مسعود (رضي الله عنه): "مرحبًا بالشتاء، تنزل فيه البركة ويطول فيه الليل للقيام ويقصر فيه النهار للصيام"، وقال الحسن البصري: "نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه".

لذا قال يحيى بن معاذ: "الليل طويل فلا تقصّره بمنامك، والإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك"، وعن عبيد بن عمير أنّه كان إذا جاء الشتاء قال: "يا أهل القرآن! طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا".

أما ابن رجب الحنبلي فقال: "قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف"، فقد بكى مُعاذ بن جبل (رضي الله عنه) عند الاحتضار وقال: "والله ما أبكي جزعاً من الموت، ولا حرصاً على دنياكم، ولكنّى أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء".

هيّا يا إخوتي.. تعالوا ننفض عن أنفسنا غُبار الكسل ونُشمّر عن ساعد الجد في العمل، فالعمر قصير والسفر طويل، والزاد قليل والعقبة كئود.. تعالوا نرتع في ميادين الطاعات وبساتين العبادات قبل أن ينقضي ربيع المؤمنين.

تحرير إلكتروني: أسماء صرصور