​رأيت الشهيدَيْن عادل وعماد عوض الله في صلاة التراويح

وليد الهودلي
الأحد ١٩ ٠٥ / ٢٠١٩

كان مشهدًا يثبت بكل جدارة أن شهداءنا لا يموتون، عدا عن أن ما جسدوه بدمائهم والنور الذي ضخوه في روع الناس، في زمن احلولك ظلامه وسادت فيه الهزيمة السوداء وانبطح فيه من انبطح وتراجع فيه من تراجع، رغم أنف كل هذا الظلام أضاؤوا الأفق، شقوا طريق الحرية وجعلوا هناك جسرا لمستقبل عظيم يُسلخ فيه هذا الاحتلال عن فلسطين ويعاد ترتيب وتنظيم حياة المجد والحرية.

وتنمو بذرة الحرية التي يأبى الشهداء إلا أن يزرعوها قبل أن يترجلوا، تصبح شجرة عظيمة دائمة الخضرة ودائمة الثمر، ترتفع قيمة الحرية في صدور الأحرار، وتعلو راية خفاقة في ربوع الوطن، يتحول الشهداء إلى منارة عالية ترنو اليها العيون وتطوف حولها الأفئدة، فالشعب الحر أبدا لا ينسى شهداءه، فكل من كان في قلبه ذرة خير لوطنه يبقى الشهداء له هم العنوان الذي تهوي إليه الأفئدة.

رأيت عادل وعماد يصليان التراويح، تجسدت المعاني المحلقة عاليا في سماء الوطن لتكون طفلين سمّاهما أبوهما باسمي أخويه عادل وعماد، صورة حية للوفاء للشهداء وأن أعظم ما نملك نهبه للشهداء، وأنهم حاضرون لا يغادرون وما هي إلا أرواح يتعاهدها الأبناء صورة شاخصة حية، تمشي على الأرض، تظللها أرواح الشهداء، يُشم شذى عطرهم وتملأ المكان والزمان.

رأيت ابتسامتهما، ورأيت عيونهما تلمعان بالمجد والعز والمستقبل الواعد، تجسد الماضي الجميل، يرفرف بجناحيه ويظلل هذه المرحلة النائمة الحزينة، رأيت الفكرة الرائدة التي يجيد عادل زراعتها في نفوس الأحرار، ورأيت الهمة العالية التي تنتشر من صدر عماد، رأيت البندقية عندما تجتمع مع النور ورأيت القوة التي قوامها الحق والفضيلة، رأيت القدس حينما تسكن الصدور وتشعل الإرادة فتسير على الأرض قوة لا يقف أمامها لا حديدهم ولا نارهم.

رأيتهما.. طفلان يصطفان مع المصلين، يبحثان عن معاني الحرية في الصلاة، يفهمان أن هذه العبادة للواحد القهار هي عملية تحرر من كل أشكال القهر والعبودية لغير الله، لا الاحتلال يصمد أمامها ولا كل أشغال البغي والعدوان، عندما يقرأ الشيخ "إياك نعبد" يحررنا من الاستكبار وعندما يقرأ "إياك نستعين" يحررنا من الاستضعاف، لقد حارب الشهداء بكل قوة وجدارة هذا الاستكبار الصهيوني الجبان، بإمكانات بسيطة لا حساب لها في مكاييل الحرب واجهوا الطغيان، انحازوا إلى المستضعفين ورفضوا الاستضعاف، استعانوا بالعزيز الجبار ووقفوا منفردين في مواجهة الإعصار، سطروا البطولة والفداء، رسموا الصورة المشرقة وفتحوا طريق العزة وأشاروا بدمائهم إلى حيث الخلاص من الهزيمة إلى الانتصار.

اليوم يراهما الناس في صلاة التراويح، يبشران الناس وينثران أمل المستقبل المشرق، يقولان: الشهداء لا يموتون، أحياء عند ربهم يرزقون وأحياء عند الناس يبعثون، هناك متاعهم وهنا يبقى جهادهم، يبعثون في الناس فكرة الانتصار وروح الجهاد ويرسمون لهم خارطة الطريق، طريق مجد وعزة وعودة وقدس وحياة فيها كل شيء إلا الاحتلال.