​قواعد القوة.. الرباط والمقاومة والأمة والأقليات

هشام توفيق

منذ عقد ورشة المنامة تعيش الأمة انتصارات، ولبها وأسُّها في فلسطين وغزة، وهي دلالة واضحة أن الاستكبار الصهيوني العالمي والأمريكي والعربي المستبد مهما تصاعد علوه؛ فإن الأمة في قمة المواجهة والتدافع والذود عن مقدساتها، خصوصًا أنها تمثل أمة الخيرية، والحاملة مستقبلًا مشروع التغيير وتحرير الأرض من كل العنصريات المتطرفة صهيونية أو عربية أو غربية.

منذ ورشة البحرين إلى اليوم تعددت هزائم العدو الصهيوني وأرباب صفقة القرن، وتمددت انتصارات الأمة والشعب الفلسطيني والمرابطين عبر خمس مراحل من طريق خمس قوى:

المرحلة الأولى.. شبح الدمار

في المرحلة الأولى في الوقت الذي عاد الوفد الأمريكي مطمئنًا من ورشة البحرين حاملًا معه مطرقة يسلمها إلى السفير الأمريكي بالكيان لينفذ بها مخرجات ما اتفق عليه الحاضرون في الصفقة والورشة، صدم ما يسمى "المجتمع الصهيوني" باحتجاجات اليهود الفلاشا والقوميات الأفريقية عمومًا، بعد مقتل شاب أفريقي صهيوني.

فانكشف لنا جليًّا أن هذا العلو هو كيان هش، ولفيف طارئ وحصيلة عصابات يهودية تنعطف إلى الزوال، يهددها شبح الدمار، لولا الاستعانة ببعض الأنظمة العربية المستبدة وورقة أمريكا المستكبرة للزيادة في حجم هذا العلو الصهيوني.

المرحلة الثانية.. المقاومة من غزة

في المرحلة الثانية، كانت الضربة الثانية موجعة، لما أخرجت المقاومة ورقة الأسير الأثيوبي الصهيوني، لتكشف أن السلطة الصهيونية تخلت عن هذا الأسير الجندي الأفريقي للون بشرته وقوميته، وهذا بطبيعة الحال يؤكد وعي المقاومة باللعب على أوضاع "المجتمع الصهيوني" والإثخان في الجرح الداخلي.

والضربة التالية حين أخطأ الاحتلال وهو في هدنة بقتل شاب على حدود غزة، فكان الشهيد من كتائب القسام، ما دفع الاحتلال إلى تقديم اعتذار استنكره "اللفيف" الصهيوني، وهددت المقاومة بالضرب في الوقت المحدد، ما زاد من الهلع الصهيوني وكشف عن قوة استخبارية نفسية كبيرة لدى المقاومة تتلاعب بنفوس من يعيشون داخل الكيان الصهيوني.

المرحلة الثالثة.. المقاومة في الضفة

في المرحلة الثالثة حين أراد الكيان الصهيوني إسعاف نفسه بإستراتيجية التطبيع واستقدام عرب متصهينين من السعودية وغيرها ليحسن من صورته ويبرز مدى قوته وامتداده، زادت ضربات الانتصار من حدتها حين باغتت المقاومة الشعبية في الضفة الاحتلال وأرباب صفقة القرن بعملية طعن قبل العيد أدت إلى تصفية جندي صهيوني، هي عملية أربكت أوراقًا صهيونية وأمريكية، وأفشلت جهودًا كبيرة صهيونية منذ وعد بلفور 1917م لتدجين الشباب في الضفة، فإذا صفقة القرن تصدم بوجود قوة في الضفة وحضور شباب مقاومين واعين ورثوا الإيمان والفكرة والفطرة، أين صنع؟، لا يعلمون، الله قادر على نصرة عباده.

والصدمة الكبرى حين تصطف قوة المقاومة في غزة مع قوة الضفة في خندق واحد وهدف واحد؛ وهو تحرير فلسطين والمسجد الأقصى المبارك من الداء الصهيوني.

المرحلة الرابعة.. المقاومة بالرباط

معذرة، الضربات لم تنته، والقوى المنتصرة الناصرة لم تنقطع، ففي يوم العيد لما كانت الجماعات المتطرفة الصهيونية تستعد لاقتحام المسجد الأقصى يوم العيد لمحو آثار الهزيمة بسبب توالي انتصارات الأمة والمقاومة، وفي الوقت الذي كانت هذه العصابات المتطرفة تسعى إلى تدنيس الأقصى لإعادة نشوة الانتصار، ولو باقتحام؛ ظهرت في الأرض قوة أخرى، وهي قوة المرابطين الذين هزموا إرادة الاحتلال والجماعات الصهيونية، وأفشلت مستقبلًا صهيونيًّا يعدهم بالوعد والنصر للتلمود والهيكل، ليكون رباط المقدسيين قوة ثالثة تنضاف إلى قوة المقاومة في غزة والمقاومة في الضفة.

هي ثلاثة مربعات أساس لتحرير الأرض دون الاستعانة بأي جهة سلطوية فلسطينية حرفتها تنسيق مع (شاباك) حتى النخاع وإصلاح عجلات "جيبات" الاحتلال.

لكن الاستكبار الصهيوني سيتحرك عالميًّا من جديد للبحث عن فرص انتصارات خارج فلسطين، بضرب شعوب الأمة بالأنظمة، وتصفية أقلياتها.

لكن الصدمة ستكون كبيرة في المرحلة الخامسة، والانتصار سيكون كبيرًا في صف الأمة، فالمواجهة ستكون حامية بين أمة قوية وأحجام وأوراق العلو الصهيوني التي يوظف عنصريتها لتصفية قواعد الأمة الأساس لإنقاذ الشعوب وفلسطين والعالم.

تعالوا ننظر كيف يتحرك العدو الصهيوني وكيف يحرك عنصريات العالم؟

المرحلة الخامسة.. قوة الأمة

أمام هزيمة روح الاستكبار العالمي، وهي الكيان الإسرائيلي، وأمام هزيمة روح الكيان الصهيوني، وهي الجماعات المتطرفة التملودية، وأمام انتكاسة روح هذه الجماعات، وهي عقيدتها العنصرية في معركة العيد والرباط، حاولت هذه الأخيرة التمدد في العالم للبحث عن انتصارات انعدمت في أرض مباركة محتلة.

فتحركت العنصرية الصهيونية في بورما لتصفية المسلمين، والتطبيع مع بورما عسكريًّا وأمنيًّا.

وفي الإيغور أرسلت العنصرية الصهيونية مبعوثًا عربيًّا من السعودية وولي عهدها، لتقديم الضوء الأخضر لحصار الأمة الإسلامية هنالك.

وفي الهند قدمت العنصرية العالمية الصهيونية للعنصرية الهندوسية الضوء الأخضر لضرب مسلمي كشمير.

وقدم الاستكبار العالمي الصهيوني الضوء الأخضر لينهض "مارد التطرف اليميني الصليبي في أوروبا" والنرويج لقتل المصلين في العيد.

أما في المنطقة العربية فالعنصرية العربية المستبدة تزاوجت قديمًا والعنصرية الصهيونية، ما سمح للأنظمة بضرب قوى الثورات ومقومات النصرة للقضية الفلسطينية.

العنصرية الصهيونية روح العنصريات

قد تظهر الأحجام الاستكبارية اليمينية الصليبية، والصينية البوذية والبورمية، والهندوسية والعربية المستبدة متباعدة، وقد نرصد جغرافيات هذه العنصريات نائية متفرقة بين الهند والصين وبورما والنرويج والدول العربية، لكن تجمعها روحها، وهي الروح الصهيونية، على هدف واحد، وهو محو الإسلام ومقدساته ومساجده وبوصلته الفلسطينية، ومنع تصاعد قوة المسلمين، لماذا؟

لأن في صعودهم خطرًا دائمًا على المشروع الصهيوني، ولأن الأمة قوة سوادها يصبح جزءًا مناصرًا لكل المسلمين وللقضية المصيرية الفلسطينية ومقدسات الأمة، علمًا أن الدين والوحي وصيا بذلك دون رهبانية، وفي فقه الأمة وقرآنها أنها لن تعيش بأمان دون زوال سرطان الكيان من وسط الأمة، هذه عقيدة راسخة في روح كل مسلم، ولو في الإيغور.

خلاصة: حين يضعف حجم المشروع الصهيوني في داخل فلسطين، فإنه يبحث عن انتصارات خارجية بإحياء أحجامه الثانوية الزائدة.

الصدمة الجديدة..

لكن الغريب الغريب أن حتى هذه الأحجام الاحتياطية الهندوسية والصليبية المتطرفة والبوذية الصينية البورمية والعربية المستبدة، قد نالت ضربة قوية، وصدمة مباغتة بقدر الله، وفعل الأسباب من عباد الله وجهود الأمة.

ففي الشعوب العربية رغم حصار العلماء والناشطين وإعدام الرموز ما زالت الأمة حية، والموجة الثانية تتدرج خطواتها، ونشهد قوى حية تناصر القضية الفلسطينية والمقاومة، وتغضب على الصهيونية حتى في الملاعب وكرة القدم.

أما في الإيغور وكشمير فما تحرك الغول العنصري إلا لمعرفته بتمدد غير مسبوق لا نحصي حجمه وتقاريره.

أما في أوروبا فكان المتطرف في نيوزلندا قد قتل الشهداء المصلين، فزادت معرفة الناس بالإسلام، وفي النرويج أراد التطرف الصليبي إعادة الكرّة فكانت الضربة موجعة من عجوز باكستاني نال لقب بطل في الإعلام الغربي.

خلاصة

لنلخص أخيرًا: إن الأمة وسوادها وأقلياتها قوة لا يستهان بها في زعزعة كيانات الاستكبار العالمي، وتشكل قوة مناصرة ودعمًا ونصرة للقضية الفلسطينية والمقاومة ومناهضة الكيان الإسرائيلي، علمًا أن الدين الإسلامي الشامل يدعو لذلك ويحث عليه.

لنقل إن سواد الأمة وقواها الحية تصطف بقدر الله وفضله مع قوة المقاومة في غزة، وقوة الضفة، وقوة المرابطين في القدس.

هي أربع قوى في الكون ما زالت حية تنضاف إليها قوة خامسة، وهي الشعوب التي تتحرك لتتحرر من أنظمة الاستبداد والفساد ومنتجات صهيونية، ليكون مسارها المستقبلي التحرر من الكيان الصهيوني مسبب الفوضى والدمار في أمتنا.

ولا نغفل قوة أخرى "سابعة" هي أعظم وهي راعية هذه القوى السالفة، وهي قوة الله وعناية الله، لا إله إلا الله، والحمد لله، مبارك عيدكم.

المركز الفلسطيني للإعلام