​قراءة سياسية في العدوان الأخير على غزة

د. خالد معالي

تقييم الجولة الأخيرة من العدوان على غزة من قبل الاحتلال، يستدعي فهم السياق التاريخي لما يحصل على الواقع، فتاريخيا أينما وجد احتلال وجدت مقاومة له، وكانت المقاومة تدفع ثمنًا غاليا جدا لقاء محاولة نزع حريتها من حلوق أعدائها، وتنجح بعد طول عناء.

ما حصل هو أن الاحتلال وبسبب شعوره بالقوة والدعم الأمريكي الكبير وحال العرب المخجل الحالي من فتن واقتتال داخلي ومحاولة وأد الربيع العربي بالثورة المضادة، أن لا حاجة للالتزام بالتفاهمات التي جرت قبل انتخاب "نتنياهو"، ومن هنا حصلت الجولة التي أثرت وأضرّت في مجالات سياسية عديدة.

أولى خسائر الاحتلال السياسية، هو تآكل سياسة الردع إلى غير رجعة، فهدم المنازل واغتيال عناصر المقاومة لم يثنِ المقاومة عن المواصلة في اطلاق الصواريخ بكثافة، وهدم عمارات سكنية هو مؤشر لإفلاس الاحتلال، وقتل أطفال رضع دليل فشل وحقد واجرام، لا مثيل له في العصر الحالي.

توقيت المقاومة كان جيدا، حيث أجواء الاحتلال كانت ضاغطه، وهي أجواء الاحتفال بما يسمى بـ "عيد الاستقلال" ؛ وأجواء تحسين صورة الاحتلال من خلال تنظيم المهرجان الموسيقي العالمي "اليوروفيجين" في تل أبيب الأسبوع القادم، سيما وأن الوفود المشاركة فيه شرعت بالوصول، ومعها آلاف السياح الأجانب، فما هو التصور والانطباع الذي سينقله السواح او المطربون، أو حتى قرابة 600 مليون من المتوقع أن يشاهدوا "اليوروفيجين".

مقارنة بالجولات والحروب السابقة فإن المقاومة تقدمت كثيرا هذه المرة عن سابقاتها، فإطلاق الصواريخ كان بكثافة عالية جدا غير مسبوقة وباعتراف الاحتلال، وبالتالي هزّت أمن الاحتلال، عدا عن قتل المدنيين والاطفال الرضع هز صورة الاحتلال لدى الغرب.

الضعيف المهزوز يلجأ دوما في الحروب والجولات إلى استهداف المدنيين العزل للضغط على الجبهة الداخلية لمن هو في الجبهة الأخرى المضادة، وهو ما جرى مع الاحتلال الذي راح يقصف مدنيين وعمارات سكنية.

كل دقيقة عمل في دولة الاحتلال تختلف عن غزة، فغزة لا تخشى البلل، بينما الاحتلال قائم على التصنيع وتحسين صورته في الخارج بأنه واحة من الأمن والأمان، وفي هذه الجولة فقد الاحتلال الاثنتين، وتكبّد خسائر جسيمة في مجالات أخرى مثل عدد القتلى والذي في كل حرب وجولة يخفي العدد الحقيقي للقتلى، وهو لن يعلن عنها أصلا من باب الحرب النفسية التي هي أساس كل نصر.

الجولة الاخيرة أحرجت دول العرب المنبطحة للاحتلال، فغزة قالت للعرب والمحيط: انظروا ما أضعف دولة الاحتلال، مجرد صواريخ صناعة محلية في غزة، تهز الاحتلال وتجعله ينام في الملاجئ، ويسارع لطلب تهدئة والالتزام بالتفاهمات السابقة، فهو ليس بالقوة التي يزعمها ويعربد فيها على العرب والمسلمين.

تأمل معي تصريحات "شتاينيتس"، وهو عضو الكابينت المصغر، ووزير الاستخبارات السابق لدى الاحتلال، والتي يقول فيها إن الاحتلال سيبقى يعاني من غزة لـ 30 عاما قادم، وأن غزة لن تغرق في البحر كما حلم رابين.

في الوقت الذي فيه غزة محاصرة ومخنوقة من شدة الحصار، تتحدى الاحتلال الذي يخشاه ملوك وحكام العرب، وتطلق مئات الصواريخ على الاحتلال، ولا تنجح تقنية الاحتلال التي يزعم أنها متقدمة في اعتراضها، ومن هنا نقول: إن من جد وجد، ومن لم يجد، ولم يشمر عن ذراعيه ويقرأ سنن التاريخ جيدا، فإنه يبقى مهزوما، ويبقى صاروخ واحد ينطلق من غزة، في "الحياة مقاومة"، أفضل من مليون جولة تفاوض في "الحياة مفاوضات".