خبر عاجل

إقرأ المزيد


​قراءة في تحول المشهد الوطني الفلسطيني

عبد الله العقاد
إثنين ٠٣ ٠٧ / ٢٠١٧

(1)

ليس مهمًّا دومًا أن تتكلم لتعبر عن الحقيقة؛ فربما يكون الصمت أبلغ في الإفصاح عنها وكشف كثير من جوانبها.

فعلى هذه الأرضية كان صمت حماس في مواجهة الجلبة الإعلامية التي أحدثها الكثيرون بشأن ما بات يكتنفه الغموض من زيارة وفد حماس القيادي إلى مصر، وما صدر من تسريبات عما عقد فيها من لقاءات واجتماعات تعددت وتنوعت، أو ما شهدته غزة من مدخلات جديدة في منظومة الحراك الفعلي في مكوناتها السياسية.

وإن كانت قد صمتت حماس عن ذلك الحراك المفاجئ، إلا قليلًا مما أجرته في بحر الإعلام عبر ما جاء على لسان عضوي مكتبها السياسي د. خليل الحية، ود. محمود الزهار؛ فإنّ الحقيقة التي لم تعد خافية أنّ تحولًا نوعيًّا يفرض نفسه في واقع الفعل السياسي الفلسطيني، الذي جاء انعكاسًا مستويًا مع طبيعة القيادة الحمساوية الجديدة التي خرجت بولادة شرعية متيسرة من رحم هذه الحركة الفلسطينية الرائدة، وقد تعززت فيها محركات الفعل الحمساوي بصورة تنسجم تمامًا مع مكوناتها الأساسية في الجسم التنظيمي والساحات الفاعلة فيها.

(2)

لذلك أصبح من الواجب إدراك أن ذلك المتغير الذاتي في الجسم القيادي الحمساوي هو ما يمكنه أن يكون تفسيرًا مكافئًا للسلوك السياسي الجديد في الساحة الوطنية الفلسطينية، وهو ما قاد إلى جدل كبير ومتصاعد.

ولكن ربما القادم يجعل هذا الذي نجده كبيرًا وفريدًا يتضاءل أمامه، فيعدّ اعتياديًّا لجدية هذا المجرى التغيري وقوته، الذي سينعكس على القدرة على قيادة الدفة الوطنية بصورة تنسجم تمامًا مع إعلاء قيمة الوطن أولًا، على أية اعتبارات حزبية ضيقة.

وإن كان هذا الأمر لن يتحقق إلا بخطوات جدية ورؤية جادة، بما يكون من بناء شراكة وطنية على أرضية الالتقاء على القواسم المشتركة، وتغليب المصالح العليا للشعب الفلسطيني بالتفرغ لمواجهة استحقاق التحرير وتقرير المصير، أو الخروج الحكيم من عُقد الماضي وما جرّه علينا من ويلات، إلا ما يكون منه لأخذ العبرة والاتعاظ بما لحقنا فيه من سفاهات.

وإنه لم يعد من الترف الحديث عما لحق بقضيتنا من التعالي على الخيارات والبدائل أو التعامي عنها في ظل واقع إقليمي ودولي يكاد يكون الأسوأ، وهذا ما انتهزه كيان الاحتلال الصهيوني بما بات يطرح به نفسه قاسمًا مشتركًا، وقد تجاوز أن يُعد تناقضًا فرعيًّا فضلًا أن يكون رئيسًا في محيطه العربي والإسلامي.

وقد بدأ بعض يجاهر بعلاقاته السرية التي نسجها منذ أمد مع كيان الاحتلال، وكأنّها سبق، في الوقت الذي يتنكر فيه لحق الشعب الفلسطيني في مقاومة المشروع لواقع الاحتلال.

(3)

أما غزة فإنّ ما يجري لها فهو أشدّ وطئًا بفعل غطرسة الاحتلال الذي وجد من يختبئ خلفه في ممارسة الحصار الظالم الذي يصنف في القانون الدولي إبادة جماعية، بما كان من قيادة المقاطعة المقيمة تحت سطوة سلطاته أن تتجبر على شعبنا الفلسطيني في غزة، وهي تمارس جرائم كثيرة ومتوالية، فلم يكن أولها تحريض الموظفين على مغادرة مواقع خدمتهم العامة، ولم يكن كذلك آخرها منع التحويلات الطبية للمرضى بتلقي علاجهم في المشافي التخصصية، ولا سيما بعد النقص الحاد في الدواء ومستلزمات العلاج الطبية بفعل سياسات تمعن في تكريس المعاناة.

ومع هذه الممارسات مازالت سمفونية الانفصال لغزة أو عن غزة أو الخشية منه تثار قصدًا، غير أنّ حقيقة الواقع تكشف جليًّا أن ما تبقى من الوطن قد أضحى عبارة عن معازل سكانية يحيط بها من كل اتجاه الواقع الذي يفرضه الاحتلال بقوته الجبرية الغاشمة، وأنّ كل معزل منها له واقعه وظروفه التي أفرزها هذا الواقع الأليم.

فلم يكن الوطن يومًا مقصورًا أو مقتصرًا على غزة والضفة بل هما بقية الوطن؛ فلا داعٍ إذن لأن تُحمل الأمور ما لم تحتمله، أو أن نتساوق مع دعاوى ليس لها نصيب من الحقيقة غير تزييفها.

وكثيرًا ما يتساءل المراقبون: لماذا عندما يكون الحديث والواقع عن تطور العلاقات بين الضفة الفلسطينية مع المملكة الأردنية لم تُثر هذه التخوفات من الفصل والانفصال، أم أنّ غزة التي سددت بشرف كل ما عليها من واجب ومازالت قائمة بالحق تجاه قضيتنا العادلة يراها هؤلاء أنّها دون الأهلية، أم لهم بذلك مآرب أخرى؟!

(4)

فالحقيقة التي تفرض نفسها في ظل الواقع المشتت والجبهات المتعددة وقد باتت كل واحدة منها تواجه أسلوبًا احتلاليًّا غير الذي تواجهه الأخرى أنّه لم يعد مجديًا الربط بين هذه المكونات في طريقة المواجهة؛ لما لكل واحدة منها من إجراءات تتطلبها المواجهة غير التي تناسب غيرها.

وإن كان أسوأ ما تواجهه الجبهات الفلسطينية في ساحاتها المختلفة داخل الوطن هي المعازل السكانية في الضفة الفلسطينية، بفعل ما يواجهه شعبنا الفلسطيني هناك من ممارسات احتلالية من جنود الاحتلال أو مستوطنيه، وما يواجهه أهلنا فيها من تضييق وملاحقة تقوم بهما أجهزة التنسيق الأمني خدمة مجانية للاحتلال، والخطورة أنها تقتل بأسلوب الموت السعيد (الاختناق بمدفأة التنسيق الأمني المقدس).

وقد أصبح فيها تهديد وجود الاحتلال بالفعل الثوري الفلسطيني كأنّه تهديد مباشر لوجود وبقاء سلطة التنسيق الأمني، وعلى هذه العقيدة الأمنية يعد الكادر الأمني هناك.

ولذلك باتت مدركة خطورة بقاء هذه القيادة المرتهنة لواقع الاحتلال وهي الممسكة بكل مقاليد القرار الرسمي الفلسطيني، ومازالت تعتلي مؤسساته السيادية أو تعطل ما أخرجت منها استقواءً بالاحتلال أو بالظرف الإقليمي القاهر.

(5)

فما الذي يمنع في ظل هذا الواقع أن يتداعى الكل الوطني الفلسطيني لفتح مسارات وطنية يلتئم فيها الشمل الفلسطيني، أو تعزيز ما هو مفتوح منها، بأن توضع الأوراق على الطاولة السياسية الوطنية؛ فيتحمل كلٌّ مسئوليته وفقًا لما تمليه اللحظة التاريخية العصيبة التي تمرّ بها القضية الفلسطينية في واقع انشطارات متوالية في متن الجبهة العربية؟!

وإن كان هذا التحول في المشهد الوطني ليس سهلًا ولا متيسرًا فإنّه مهمًّا وضروريًّا، وإنّ ما دونه الهلاك والخسران المبين.