إقرأ المزيد


​قرارات التقاعد تقسو على موظفي السلطة دون رحمة

تدفق آلاف الموظفين المحالين إلى التقاعد لمقر الهيئة لتسوية أوضاعهم (تصوير / ياسر فتحي )
غزة - عبد الرحمن الطهراوي

حالة من الحزن الممزوجة بالقهر الشديد أصابت الموظف في دائرة التدريب العسكري التابعة للسلطة، فادي عوض، فور تأكده من وجود اسمه ضمن سجلات المحالين إلى التقاعد المبكر، وفق قرارات رئاسة السلطة الفلسطينية.

وأحالت السلطة الفلسطينية الأسبوع الماضي نحو 7 آلاف موظف عسكري للتقاعد المبكر بنسبة 70% من الراتب، ليرتفع عدد موظفي السلطة الذين أحيلوا للتقاعد المبكر مؤخرا لما يزيد على 14 ألفًا.

وفي ظل الأوضاع المعيشية المتردية داخل قطاع غزة المحاصر إسرائيليا منذ قرابة العشر سنوات، شكل القرار صدمة غير متوقعة لعوض (39 عاما) فهو لم يعد يدري كيف سيدبر شؤون حياته بعدما تتراجع قيمة راتبه الأساسية من 2200 شيكل إلى قرابة 1650 شيقلا.

وتساءل عوض بلهجة بدا فيها التذمر واضحًا: "من أحق بالتقاعد الإجباري، الموظف الذي تجاوز عمره الـ50 أو 60 سنة، أم الذي ما زال قادرا على العمل اليومي وتقديم الخدمات المطلوبة منه من أجل أن يوفر لقمة عيش كريمة لأولاده وفي نفسه الوقت عمره لم يتجاوز السن القانوني للتقاعد؟".

ووصف عوض ما جرى بحق 7000 عنصر من الأجهزة بـ"المجزرة الإنسانية والوظيفية والحقوقية التي استهدفت الصغار دون أي اعتبار للأوضاع الحياتية الصعبة وارتفاع تكلفة المتطلبات المعيشية".

وطالب عوض قيادة السلطة بالتراجع الفوري عن قرارات التقاعد الأخيرة، قائلا "كنت أنتظر من الحكومة دعم أهالي غزة بعد المصالحة والتخفيف عنهم بعد ثلاث حروب مدمرة. الله يستر من الجاي".

وحضر عوض برفقة المئات من الموظفين المحالين للتقاعد إلى المقر الرئيس لهيئة التأمين والمعاشات غربي مدينة غزة، من أجل تقديم الأوراق اللازمة لاعتمادهم في سجلات المتقاعدين رسميا على صرف رواتبهم المستحقة قريبا من صندوق التقاعد الوطني.

وكان بيان صادر عن بعض منتسبي أجهزة أمن السلطة في غزة حمل رقم 1 جاء فيه "أن الشارع الفلسطيني يشهد على أبواب المصالحة الوطنية مجزرة تسمى التقاعد الإجباري المبكر الذي طال الآلاف من الإخوة المناضلين العسكرين الذين أفنوا زهرات شبابهم دفاعا عن المؤسسة العسكرية والشرعية الفلسطينية، والذين جسدوا الانتماء الحقيقي لشرف البندقية في مختلف الساحات والميادين"، وفق البيان.

يأتي ذلك بعدما حذر القيادي في حركة فتح (التيار الإصلاحي) سفيان أبو زايدة، أول من أمس، ممّا وصفها "قرارات مؤلمة أخرى" سيتخذها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ضد قطاع غزة بعد الانتهاء من إحالة الغالبية العظمى من موظفي السلطة الفلسطينية (المدنيين والعسكريين) للتقاعد المبكر.

وبعد قرابة الساعة ونصف الساعة من انتظار محمود أبو حسين داخل صالة الهيئة المزدحمة بالموظفين، خرج إلى الشارع العام كي يستظل تحت إحدى الأشجار قبل أن يستقل سيارة أجرة تنقله حيث يعيش في حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة.

وبكلمات متقطعة من فرط الإرهاق تحدث أبو حسين لصحيفة "فلسطين" قال: "قبل أشهر كنا نسمع أن الرئيس سيصدر مثل هكذا قرارات ولكن ما صدقنا (..) واليوم وقع الفأس بالرأس دون أي ذرة رحمة والكل صامت أمام هذه الجريمة غير الوطنية"، وفق تعبيره.

وأضاف أبو حسين: "أنا خدمت بمختلف القطاعات الأمنية على مدار 17 سنة وأعيل 8 أفراد مع زوجتي وكلهم أولاد مدارس، يعني مصاريفهم لا تتوقف وأعيش في بيت على قد الحال بعدما تضرر في الحرب الأخيرة.. والآن حياتنا ستدخل في نفق مجهول".

وأشار أبو حسين إلى أن مشكلة المحالين إلى التقاعد يجب أن تكون قضية وطنية لأنها قد تطال مجموعات أخرى في الفترة القادمة، داعيا أبناء الأجهزة الأمنية الذين طالتهم قرارات التقاعد إلى أن يكونوا على قلب رجل واحد "في وجه الظالمين"، وفق تعبيره.

وإلى الجوار من أبو حسين كان يجلس رياض العربي، وقد بدت عليه علامات الإرهاق الشديد وعندما بادرنا بالسؤال عن وضعه بعد إصدار قرار التقاعد أجاب باختصار: "لنا كم شهر لا نتلقى رواتبنا بانتظام، والله أعلم كيف نتدبر حياتنا بعد هذا القرار.. لا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل".