انتقل بصوته من خلف القضبان وأنشأ فرقة فنية

قلب "الهشلمون" لم يسع فرحته بإبعاده إلى "الأرض التي يكرهها الأعداء"

غزة/ يحيى اليعقوبي:

يمسك بيديه نوافذ أبواب سجون الاحتلال؛ ليخرج ذلك اللحن بصوت فني جميل، ينشد للحرية: "بلادي؛ غربتي طالت وحالت دوننا الأيام؛ دموع العين قد سالت وروت كربتي الآلام"، أو هذا الموال بصوت يصدح به الأسرى: "نظن دمعي نزف على أوطاني .. على كنف الزغاليل بالليل جوعاني"، الألحان السابقة كان يرددها الأسرى المحررون مصعب الهشلمون، ورمزي العك، وحمودة صلاح المفرج عنهم في صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011م، حينما كانوا داخل سجون الاحتلال.

من جمال الأقدار وسوء حظ الاحتلال أن تلك الأصوات الثلاثة جمعت في غرفة وقسم واحد داخل السجون، فكانوا يلهبون حماس الأسرى بأصواتهم، كما يلهبون حماس الجماهير اليوم بعد تحررهم من السجن وإنشاء فرقة "وفاء الأحرار"، فنبت صوتهم داخل السجن، وربما قبله، وصدح خارجه.

يحتفظ الأسير المحرر مصعب الهشلمون بنحو 30 أنشودة في دفتر خاص، هو ما تبقى له من ذكريات الأسر، كان يكتبها من الإذاعات، انطلقت فرقة "الوفاء" للفن بعد ثلاثة أشهر من تحرر الأسرى الثلاثة وإبعادهم إلى غزة.

"اخترنا اسم فريق الوفاء انطلاقًا من صفقة وفاء الأحرار، ووفاء للأسرى ومن ضحى" بهذا بدأ الهشلمون حديثه إلى صحيفة "فلسطين".

انطلقت الوفاء بأنشودة "بسم الله كبرنا وبعونه تحررنا"، ثم "هنا أعددنا لكم" التي انتشرت انتشارًا كبيرًا وأظهرت قدرات عناصر الفرقة، بعدها أنتجت الفرقة: "إحنا رجال الضفة"، و"قادم قادم"، و"أخت المرجلة"، و"ما كلينا"، و"عالمربع"، و"عالندهة".

لمصعب الهشلمون قصة مع الأحكام الطويلة والمؤبدة، تعجب منها سجانوه، فاعتقله الاحتلال عام 2002م، واضطر إلى الإفراج عنه في صفقة تبادل أشرف عليها "حزب الله اللبناني" 2004م، ولما خرج لم تهدأ نار الانتفاضة بداخله فنفذ عمليات الرد على اغتيال الشيخ الشهيد أحمد ياسين مؤسس حركة حماس، وحكم عليه بالسجن 17 مؤبدًا، أمضى ثلاث سنوات في سجن بئر السبع ثم نقل إلى سجن ريمون.

في قاعة المحكمة ويوم الحكم يستعيد الهشلمون تلك الكلمات التي رد بها على القاضي الإسرائيلي: "إن اعتقلتموني لا تستطيعون القضاء على المقاومة؛ فهناك جيش كبير في غزة لا تستطيعون القضاء عليه".

في السجن حيث العزلة عن العالم الخارجي تفرغ الهشلمون للعلم؛ فحفظ القرآن الكريم، وكان يدرس العلوم الشرعية واللغة العربية وعلوم القرآن وأصوله، وكان "حلاقًا" لنحو 120 أسيرًا، ويشارك في طهي الطعام.

من ذكريات الأسر التي لا ينساها الأسير المحرر في رمضان صلاة التراويح، والتزاور بين غرف الأسرى.

وبين أن الطعام الذي يقدمه الاحتلال لا يصلح لإطعام "البهائم"، إذ كان الأسرى يحاولون استصلاح وصناعة الطعام والحلويات وتخزينها في الثلاجة، وعن ذلك قال: "بعدما حل العيد أخرجنا الحلويات، واحتفلنا رغم أنف السجانين الذين استغربوا من أين أخرجناها".

وقضى الهشلمون سبع سنوات في الأسر قبل إطلاق سراحه، أضاف: "الأمل موجود دائمًا بداخل كل أسير، لكن لكوني من أسرى المؤبدات الجدد، وهناك أسرى قدامى استبعدت خروجي بصفقة وفاء الأحرار".

وتابع: "جاء أسير وأبلغني أن اسمي موجود في الصفقة (..) لم يسع شيء فرحتي، لكن أحزنني أن لي رفاقًا أقدم مني وكانوا ينتظرون الإفراج ظلوا بداخل السجون إلى اليوم".

وفي غزة تزوج الهشلمون ورزق أربعة أبناء (ابنان وبنتان)، وعن إبعاده إلى غزة استذكر حديثه مع والدته بعدما زارته بغزة، حينما رجته أن يبعد إلى قطر كي تستطيع زيارته، فقال لها: "فلسطين أفضل مكان أخرج إليه، وأسمى أمنية لأي إنسان الخروج إلى أرض المقاومة، إلى غزة التي يكرهها الأعداء".