إقرأ المزيد


​"عقدة الأهمية".. إرهاق نفسي قبل تجميل الصورة وبعده

صورة تعبيرية
غزة - فاطمة أبو حية

قد تقابل شخصًا فيحدثك عن منصبه المهم في مؤسسته، ويشكو لك عدم حصوله على فرص للراحة بسهولة لأن نجاح العمل متوقفٌ عليه، وفي النهاية يبدي رضاه رغم كل التعب لأنه إنسان متفانٍ لأجل الآخرين بطبعه، وبعد هذه الصورة المميزة، تكتشف لاحقًا أن كل ما سبق ليس إلا محض خيالات يتمنى ذلك الشخص أن يصل إليها، ولأن واقعه يخلو من هذه الأهمية التي يتحدث عنها، فهو يصطنعها ويدعيها ليبدو مهمًا في نظر الآخرين..

الشعور بالنقص

"راجي أبو عودة" يرى أن الكثير من الناس يسعون إلى الظهور كأشخاص مهمين أمام الآخرين، ولا ينكر أنه يتصرف بهذه الطريقة أحيانًا بشكلٍ لا شعوري ليظهر بمظهر معين في بعض المواقف، قائلًا: "هناك من لا يفوّت فرصة للحديث إلا ويبرز نفسه خلالها على أنه صاحب علم ومكانة، سواء على الصعيد العلمي أو المهني أو الاجتماعي أو غير ذلك".

ويضيف: "هؤلاء الناس يرفضون الاعتراف بواقعهم، والرضا به، وإنما يتحدثون عن أمنياتهم كما لو كانت حقيقة، فمن يتمنى أن يحصل على شهادة معينة، يدعي أنه يحملها بالفعل، ومن يشعر بالعار بسبب مستواه المادي، يحرص على أن يكون غنيًا في أعين الناس".

ويتابع أبو عودة: "أحيانا يكون الإنسان صاحب أفعال مهمة بالفعل، لكنه لا يترك أفعاله تتحدث عن نفسها، إنما يبرزها بطريقة تجعل الآخرين يستصغرونه"، لافتًا إلى أن بعضًا يمارس هذا التصرف بشكلٍ غير مقصودٍ أحيانًا، ولكن هناك من يتحول البحث عن أهمية إلى عقدة تسيطر على حياته.

وتقول "هند ماضي": "الباحثون عن الأهمية كُثر، نرى نماذج منهم في مختلف الطبقات والفئات العمرية والمهنية والاجتماعية، وأعتقد أن شعور الواحد منهم بالنقص وبأنه أقل مما يتمنى، يدفعه إلى محاولة رسم صورة عن مميزة لنفسه في أذهان الناس".

وتضيف: "يتحدث هؤلاء الناس كما لو كانت الحياة لا تمضي دونهم، فيؤكدون أهمية منصبهم في العمل، وحب الآخرين لهم، ودورهم المحوري في حل مشاكل الآخرين، وهكذا كما لو كانوا (الكل في الكل)".

وتشير إلى أنها تتعامل مع هذه الشخصيات بتجاهل تامٍ، أو بمواجهتهم بالحقيقة، وأحيانًا بمجاراتهم وإشعارهم بأنها تصدقهم وتؤمن بأهميتهم المطلقة، لافتة إلى أن رد فعلها يختلف من حالة إلى أخرى حسب طبيعة الشخص وعلاقتها به، ووفقا لحالتها المزاجية أيضًا.

ولو بالكذب..

من جانبه، يقول أستاذ الصحة النفسية المشارك في الجامعة الإسلامية الدكتور جميل الطهراوي: "الإنسان يميل أحيانًا إلى إظهار أهميته وإخفاء عيوبه، وهذه ليست تهمة بحد ذاتها، وإنما التهمة تكون عندما يلجأ الفرد للكذب ليصل إلى المستوى الذي يريده أمام الآخرين، وهذا ما يُعرف بالجاذبية الاجتماعية".

ويضيف لـ"فلسطين": "لا ضير إن أظهر الفرد أهميته طالما أنه صاحب مستوى مهم في أي إطار فعلًا، ولكن يظهر الخلل النفسي إن كان الظهور بما يوحي بالأهمية يتم بطرقٍ غير مشروعة كالكذب".

ويتابع: "يرافق البحث عن الجاذبية الاجتماعية صفات أخرى، كعدم الرضا، وعدم الثقة بالنفس، ومحاولة التعويض، بحيث يشعر الفرد بأنه أقل مما يرغب في مجال معين، فيعوض هذا النقص بالكذب وادعاء تفوقه"، مواصلًا: "في هذه الحالة، يكون الكذب للحديث عن الأمنيات كما لو كانت حقيقة، ولكي يجمل الإنسان صورته، وليس بهدف إيذاء الآخرين".

ويوضح الطهراوي أن السبب في البحث عن الأهمية بهذه الطريقة يعود إلى عدم الثقة بالنفس، والشعور بالنقص، وقد يكون الخلل مرجعه التنشئة الاجتماعية الخاطئة"، لافتًا إلى أن هذا الشخص غالبا ما يتصف بصفات جيدة يستخدمها حيلة ليصدقه الناس، مثل الأناقة، والكرم، والذوق في الكلام والتعامل.

ويؤكد أن الإنسان الساعي إلى إثبات أهميته غير الموجودة يكون مرهقًا نفسيًا، ومنهارًا من الداخل، وذلك لعدم رضاه عن واقعه من جهة، وخوفه من أن يكتشف الناس حقيقته من جهة أخرى، مبينًا: "لهذا السبب يبقى الفرد في حالة تفكيرٍ دائم ليجمل صورته، ويضمن عدم كشفه، مما يجعله محل شفقة".

ويلفت الطهراوي إلى أنه غالبًا ما يتم كشف حقيقة الإنسان الذي يغير واقعه، مما يجعل الناس تقابله بالاستصغار والسخرية بدلًا من الشعور بقيمته، مشيرا إلى أن التعامل مع كل حالة يختلف حسب خصوصيتها ودرجة العلاقة، فقد يكون الحل هو التجاهل، أو المواجهة، أو النصح.

ويؤكد الطهراوي أن البحث عن الجاذبية ليس محصورًا على فئة معينة، إنما منتشر في كل الأوساط.

تحرير إلكتروني: أسماء صرصور
تحرير صحفي: هديل عطا الله
مواضيع متعلقة: