إقرأ المزيد


قضماني..بسلاح "اللغة" أوصلت رسالة المقدسيين للوفود الأجنبية

المقدسية منى قضماني
غزة - هدى الدلو

خلال مشاركتها في الاعتصام على أبواب المسجد الأقصى خلال أيامه الأولى لاحظت المقدسية منى قضماني (24 عامًا) وجود عدد كبير من الأجانب الداعمين للاعتصام من جنسيات عديدة ومختلفة، فكان منهم الفلبينيين، والهنديين، والتركيين، والبريطانيين، والصينيين، فكانت تلاحظ عليهم ملامح الاستغراب مما يدور في هذه البقعة، فعلامات الاستفهام كانت واضحة من نظراتهم، فهم لم يعوا بدقّة تفاصيل ما يحصل أمام ناظرهم من انتهاكات واعتصام، فبدر في ذهنها أن تعرض عليهم المساعدة بترجمة وتفسير ما يحصل باللغة الإنجليزية عن سبب اعتصامهم، أي المقدسيين، وماذا يقدم دعمهم _أي هؤلاء الأجانب_ ووقوفهم مع المرابطين، بطريقة لبقة وأسلوب لائق.

الشابة القضماني خريجة التربية من جامعة القدس، وحاليًّا طالبة ماجستير سنة ثانية في جامعة النجاح الوطنية، ناشطة مقدسية تهتم جدًّا بالقضية الفلسطينية وقضية الأسرى.

واجب مقدس

قالت: "جاءت مشاركتي في الاعتصام المقدسي انطلاقًا من واجبي بصفتي مقدسية، وحرصي على عدم المساس بالمقدسات الدينية أو الوطنية، وشعوري بالعجز تجاه ما يمكنني فعله، فقررت أن أتخذ خطوة بسيطة بالمشاركة، مع عدم تمكني من المشاركة في أول أيام الاعتصام، بسبب وجودي في جامعة النجاح بنابلس".

ولكنها لم تستطع ألا تسجل لها موقفًا في هذه الأحداث، فبعد عدة أيام تمكنت من المشاركة لإثبات الحق بالوجود الفلسطيني المقدسي في هذه الأرض، وعدم الرضوخ لانتهاكات الاحتلال الجاثمة بحق القدس والأقصى المبارك، وأضافت قضماني: "فالأقصى يمثل لي خطًّا أحمر وللمقدسيين جميعًا خاصة، والفلسطينيين عامة، وأيضًا أردت إثبات دور المرأة الفلسطينية القوية، وما يمكنها فعله وتحقيقه، مع خوف الأهل، أو الحُكم المسبق عليها من قِبَل المجتمع، مصرة على تغيير الفكرة النمطية عنها".

وخلال أيام الاعتصام وما لاحظته على الوفود الأجنبية من علامات ذهول مما يحدث وشعورهم بالضياع قررت أن تقدم على خطوة "جريئة"، وتعرض عليهم المساعدة، وتلبي احتياجاتهم، فامتشقت سلاحها (اللغة الإنجليزية)، وانطلقت صوبهم لتتحدث لهم بطريقة سهلة ومبسطة عما يحدث في محيط المسجد الأقصى، مستخدمة أبسط الكلمات.

وأشارت قضماني إلى أنه لم يوكل لها أحد القيام بهذه المهمة، بل كانت مبادرة ذاتية، وتطوعًا منها بالترجمة للوفود الأجنبية المسلمة التي شاركت بالاعتصام، بهدف تسهيل تواصلهم مع المقدسيين وتعزيز وجودهم.

وشعورًا بواجبها تجاه مدينتها المقدسة وانطلاقًا من انتمائها لها وجهت طاقاتها نحو نقل صورة الفلسطينيين ومعاناتهم إلى الأجانب، وهي المرة الأولى التي تشارك فيها بمبادرة، ولكنها كان لها حضور وبصمة في الوقفات الخاصة بنصرة الأسرى.

إظهار الحقيقة

وأكدت قضماني أن بما قامت به أيام الاعتصام حاولت إيصال رسالة إلى الوفود الأجنبية، وإزالة الغبار عما ينقله إليهم الإعلام المضلل، وإظهار الحقيقة وإيصالها إلى العالم الخارجي عما يدور في القدس والمسجد الأقصى، وتأكيد أن وقوفهم إلى جانب القضية الفلسطينية هو دعم كبير للمقدسيين أمام الاحتلال، وتقوية لشوكتهم.

تنتقي كلماتها بدقة في أثناء حديثها مع الوفود الأجنبية، وتحاول إيصال الحقيقة بإتقان بأنهم أصحاب حق وأنهم أصحاب هذه الأرض، تابعت حديثها: "وأستعمل الكلمات المناسبة بحذر لعدم حدوث أي التباس، وإيصال الفكرة الحقيقية لما يحصل في القدس والمسجد الأقصى وفلسطين عامة، وعدم إرهابهم والعمل على طمأنتهم، وتقديم المساعدة لهم".

جو من الجدل والإقناع بينها وبين الوفود على أبواب المسجد الأقصى، ولكن معظم الوفود كانت على دراية بأن المسجد الأقصى ينتهك، وهذا السبب الرئيس لوجودهم، ولكن صدموا من الاعتداءات على المرابطين والمرابطات بالقنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع حتى المياه العادمة، "وهذا جعلهم يرون الوجه الحقيقي للاحتلال، وليس ما يروجه الإعلام الإسرائيلي للعالم الخارجي"، وفق قولها.

وسردت مواقف حدثت أمامها: "في 27/7/2017م يوم الخميس جاء وفد تركي لزيارة المسجد الأقصى في الوقت الذي كان المرابطون فيه يقارعون جنود الاحتلال من أجل عدم الدخول من البوابات الإلكترونية والثبات على موقفهم حتى إزالتها، وعندما علموا بالأمر أصروا على الوقوف إلى جانبهم ومؤازرتهم حتى صلاة العصر، والدخول من باب حطة، وليس من أي باب ثانٍ"، كان لهذا الموقف أثر كبير في نفسها.

وفي موقف آخر جاء وفد من الأجانب، وكان مرشدهم قد أوصل لهم فكرة أن الأقصى للمسلمين واليهود في الوقت نفسه، فأصابتها صاعقة عندما علمت بذلك، وبإصرار منها وبمساعدة شاب آخر أقنعاهم بأحقية المسلمين بالمسجد الأقصى.

واستكملت قضماني حديثها: "كنتُ في كل مرة أتحدث مع الوفود أصاب بصدمة من المعلومات المغلوط فيها عن الفلسطينيين وأحقيتهم بأرضهم ومقدساتهم، وأستغرب درجة تأثرهم بالإعلام الإسرائيلي وتمكنه من إيصال أفكار مكذوبة عن الهيكل والأقصى، والأرض الفلسطينية، ومع ذلك كان يولد لديّ إصرار على تصحيح المعلومات لديهم ونشر الحقيقة".

ولفتت إلى أنه لا يوجد علاقة فعلية بين مبادرتها خلال الاعتصام ودراستها، ولكن مجال الإرشاد النفسي ساهم في تحسين طريقة تعاملها مع عدة فئات، وفهمهم وفهم نفسياتهم في هذه الأوضاع الصعبة.

واجهت قضماني صعوبات في اللغة خاصة مع الوفود التركية، فاستعانت بأصدقاء لها للترجمة إلى اللغة التركية، وكانت الوفود يعتريها الخجل من الأكل والشرب من الأطعمة التي تقدم للمرابطين، ولكن أصروا على مشاركتهم ليصبح بينهم "عيش وملح".

وختمت حديثها: "عشنا مع الوفود الأجنبية أيام فرح وحزن ونصر، كانت تلك الأيام الأصعب، فكانت الأجواء مليئة بالمشاعر المختلطة بين الصمود والفخر والخوف بسبب مضايقات الاحتلال، ولكن بصمودنا وعزمنا ووقوفهم إلى جانبنا بعد فضل الله دخلنا معًا من باب حطة بعد إزالة البوابات الإلكترونية وكاميرات المراقبة".