​قضايا من وحي الشارع

هالة زيادة

نستيقظ يوميًّا على أصواتٍ مختلفةٍ: عربات، وأجراس، وهتافات لبائع الخضار، وبائع مواد تنظيف، وموزع الغاز، وموزع الماء، وغيرها من الاحتياجات اليومية للبيوت، حتى أصبحت هذه النداءات روتينًا يوميًّا لا يتغير، بل يتفاقم مع مرور الوقت.

وكالعادة اختلفنا تجاه في المسألة، فبعض يجده أمرًا عاديًّا، فلا يحلو لهم إلا التسوق منهم، لأن بضاعتهم بأسعار مناسبة وموفرة للوقت والجهد في الذهاب والإياب من السوق، خاصة الناس الذين يقطنون في أماكن نائية، أو وضعهم الصحي لا يسمح، وليس لديهم معيل فيكون الحل لهم، في حين ينظر آخرون إلى المسألة على أنها إزعاج، توقظهم من نومهم وتعكر صفو مزاجهم.

تحاول البلديات وضع حد لهذه الظاهرة، وتنظر إليها على أنها ليست حضارية، ومصدر إزعاج، وغيره من المسوغات، شخصيًّا، أعده تذكيرًا ولفت انتباه، فإن لم يصدر البائع صوتًا فكيف سنعلم بمروره؟!، وأعتقد أنه ليس بالأمر الصعب إلى هذه الدرجة، أولًا يمكن التعايش معه، فالبائع لم يلجأ إلى ذلك إلا بعد فقدانه الأمل في إيجاد عملٍ غيره، مع سوء الأوضاع الاقتصادية.

ثمة قضية أخرى نعاني منها، وهي البائع المتسول الذي يتوسل للناس أن يشتروا منه ما يحمله من بضاعة، فيلاحقهم ويقطع الطريق على المارة، ويحاول دائمًا إثارة الشفقة والاستعطاف، يغري الأطفال من أجل إجبار أهلهم على شراء لهم البسكويت وما تعلق بهم، ويكثرون في الأسواق ومفارق الطرق وإشارات المرور والأرصفة، ويلاحظ على بضاعتهم أنها غير جيدة، وهذا المنظر مزعج للعين ولأصحاب المحال التجارية والمارين والزوار السائحين، لا يمكن إنكار أن بعضهم يكون في حاجة ماسة للمال، لكن الأكثر يأخذونه عملًا منظمًا عائليًّا: أبًا، وأمًّا، وأولادًا، موزعين في مناطق مختلفة، حتى إن بعض العوائل المحافظة أصبحت ترسل بناتها وأطفالها من أجل العمل، غير مكترثة للمخاطر التي قد تحيق بهم، بسبب تردي الوضع الاقتصادي.

وقضية أخرى باتت تؤرقنا، وهي أرصفة الشوارع؛ فقد فقدت أهميتها بسبب استخدام أصحاب البسطات والباعة المتجولين والمتسولين لها، ومهما حاولت البلدية ردع هذه الظاهرة، فإنها لم تنجح حتى الآن، فلا يكاد الشارع يفرغ حتى يعاود كلٌّ نشاطه مرة أخرى، والناس منقسمون تجاه إجراءات البلدية بين من يجد فيها تحقيقًا للنظام، ومن يجد فيها تعسفًا وقطعًا لأرزاق الناس، وفي نظر المسئول هي إزعاج، وتعطيل لحركة السير، وفوضى ومظهر غير لائق.

أنظر إلى هذه الظاهرة أنها قابلة للحل والحد منها، إذا تكاتفت الجهود بتوفير فرص عمل أفضل، وفتح أسواق منظمة تستوعب هذه الفئة، إذا تحسن الوضع الاقتصادي، ولكن مع الحاصل في بلدنا من تقليص رواتب، وحجبها، واللعب بالأرزاق الوضع سيزداد سوءًا، والذي يحاول البيع من أجل الكسب لا يجد من يشتري من أجل أن يحصل على رزقه، لأن الجرح في الكف، وكلنا مجروحون.