إقرأ المزيد <


لا صوت يعلو صوت رابعة

وليد الهودلي
سبت ٢٤ ٠٨ / ٢٠١٣
لو بعثت رابعة هذه الأيام فما عساها تقول للمصريين؟
أخاطبكم وأنا على ثقة تامة بأني نقطة إجماع مزروعة في قلوب المصريين كافة، يا من تذكرونني بأعلى درجات العشق والوجد لرب معبود تجمعون على الإيمان به، يا من جمعتكم محبة الله وفرقتكم السياسة، أخاطب كل ذي عقل وبصيرة تنظر بنور الله، وكل ذي فؤاد يذوب عشقًا للإله، أخاطب من حركت شغاف قلبه وعميق وجدانه كلماتي العابرة من ذاك الزمان الذي عشت فيه، أيام ألهمني الله التعبير عن عشقه فقلت:
أحبك حبين: حب الهوى وحبًّا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى فذكرٌ شغلت به عن سواكا
وأما الذي أنت أهل له فكشفك الحجب حتى أراكا

يا من تدعون ربكم بالغداة والعشي تريدون وجهه، أظمأتم نهاركم في الساحة الرمضانية التي سميتموها باسمي، وأقمتم الليالي في محراب محبة الله، ولا شك عندي بأنكم قطعتم المسافة التي بين الإيمان بالله وتحقيق محبته، أحببتم الله حب الهوى، إذ أشغلكم ذكرُه عن ذكر سواه، فتركتم كل دنياكم واعتكفتم في ساحة العشق التي أهلتكم للفداء والتضحية، اشتريتم أنفسكم من ربكم بأن لكم الجنة، وبرهنتم ذلك عندما تنافست صدوركم العارية في تلقي رصاص الغدر ممن لم يتذوقوا هذه المحبة، وسهروا رمضانهم وهم يعدون عدة القتل وخطط الموت.

ثم ارتقيتم درجة ثانية في سلم محبة الله، إذ دخلتم ميدان: "يحبهم ويحبونه"، وجاءتكم محبته بعد أن بذلتم كل ما لديكم من حب، جاءتكم: "وأما الذي أنت أهل له فكشفك الحجب حتى أراكا"، فكشف لكم وللعالمين أجمع، ولكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد حقيقة الأمر، كشف الحجب حتى ظهر الحق أبلج، ظهرت حقيقة الجمعين: جمع الحق وجمع الباطل، باتت الصورة واضحة، وبات من يعصي الإله ويظهر حبه شاهرًا لسلاحه، مكشرًا عن أنيابه، وحشًا كاسرًا تأبى الوحوش فعاله، ولا يمكن لها النزول إلى هذا الدرك الأسفل من إرادة القتل، وإدارة الحقد والعدوان. كان لهم أن يختفوا خلف دهاليز السياسة، والتعلق بأخطاء بشرية لا يدعي أصحابها العصمة، بل أعلنوا على الملأ أن الخطأ وارد والتصحيح واجب، والتركة ثقيلة والفساد كبير، والتآمر أكبر، والنفاق يتربص بمن يحاول الإصلاح ما استطاع إليه سبيلًا، كان لهم الجهر بالسوء من القول، إلا أنهم كشفوا الأقنعة عندما انحازوا إلى الانقلاب بكليتهم، ورضوا بأن يتخذهم البرادعي بردعة له ولأسياده الكرام، فيقف على المنصة ليعلن اغتيال المحاولة برصاص الأعداء.

أنا رابعة مرآة شفافة تعكس الأرواح، وتتراءى فيها المواقف والآراء، لست إخوانية ولا سياسية، ولكني أعشق الله وكل من يعشق الإله، تتآلف روحي مع شعب مصر المعطاء، وكل من يذوب وجدًا ومحبة للخير والسلام، أنا مع كل من يهتف معي، وكل من تقف مشاعره مع مشاعري التي لا تدين إلا لرب معبود واحد، أنا مع كل متحرر من أي معبود سواه، مع كل متحرر من أصنام الماضي اللات والعزى، وأنا لست العربي الجاهلي أمام هبل، ولا الصنم الذي تدعونه اليوم أمريكا و(إسرائيل)، ومعونات الدعم ومليارات الخليج والإمارات، التي لا تتحرك إلا بأمر ذاك الصنم، أنا مع كل متحرر يناجي مولى واحدًا من أعماقه:
يا سروري ومنيتي وعمادي وأنيسي وعُدتي ومرادي
أنت روحًا لفؤادي أنت رجائي أنت لي مؤنس وشوق كزادي
حبيبُ ليس يعدله حبيب ولا لسواه في قلبي نصيب

أنا حرة في فضاء محبة من لا ينبض قلبي لسواه، قلبي قلب مصر وكل من دان للواحد الديان، أخفق بنبضكم، ويأبى قلبي أن يكون فيه نصيب لأولئك الأمريكان، ومن نصبوهم آلهة من دون الرحمن، لذلك اختاروني ميدانًا لهم بكل حرية وإباء، وأنا اخترتهم بشغف روح مصرية أصيلة لم يضيعها الأزهر عندما ضاع.

وأنتم يا من ضاعت قلوبكم ولم تر الحق، رغم بطش الجلاد والدم القاني شديد البياض، وسفاهة الإعلام الذي ضاق الكذب من كذبه ذرعًا، ما ترون أني قائلة لكم وقلبي لا يعرف إلا الحب والنصح والخير إلا أن ثوبوا إلى رشدكم؛ فقد أظهر الله الحق وأبطل الباطل، وساق لكم من الأدلة ما لا يختلف عليه اثنان يعرف قلباهما محبة الله، عودوا إلى ربكم وألقوا السمع لقوله (سبحانه): "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، نظرة صادقة إلى هذا الميدان وتعرف الذي مع الرحمن من الذي مع الشيطان.

لقد أكرمكم من أطلتم القيام في محراب حبه أن أظهر النفاق والإجرام، وكل من عادى عابدًا على وجهه الحقيقي فامتطى بردعة شيطان مريد، قد بدت البغضاء من أفواه رشاشاتهم، لقد مارسوا إجرامًا دون أن يرقبوا في مؤمن إلًّا ولا ذمة، لقد عجز أبو جهل وأبو لهب عن فعلهم، لم يسجل التاريخ حادثة لأبي جهل أن حرق جثة أو حرق مشفى، أو استخدم فروسيته وشهر سيفه على مسالم لا يحمل سيفًا مثله.

أنا رابعة مني ومنكم يا أمة مصر المجيدة وأرض الكنانة العزيزة، ليس لكم _والله_ إلا الثبات الثبات، ولو كنت حية لما وسعني إلا الانتقال من محراب المحبة والعشق والوله للحبيب الرحمن إلى محراب التضحية والفداء، ليكون برهانًا أزليًّا على ما ادعيته من محبة وذوبان، كلٌّ يدعي المحبة، لذلك كان اختبار الرب بالاتباع أولًا: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"، وكان الاختبار الثاني بعد تجاوزكم للأول بنجاح: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة"، فهذا _أحباب الرحمن_ زمن البيع والشراء، وصفقة مع الرحمن لا يقدر عليها إلا أهل الصدق على ما عاهدوا الله عليه، انتظر من انتظر، وقضى نحبه شهيدًا من قضى، هذا _والله_ يوم ينفع الله الصادقين بصدقهم، دون أن يبدلوا ما أخذوا على أنفسهم في محراب المحبة الرمضاني أي تبديل.

ملفات أخرى متعلفة