إقرأ المزيد <


"سحنون" قاضياً على أفريقيا

بقلم- د.خالد يونس الخالدي

في الثالث من رمضان لسنة أربع وثلاثين ومائتين، تولى قضاء أفريقيا فقيهها المعروف سحنون بن سعيد، وكان سنه وقتئذ أربعة وسبعين عاماً، وظل قاضياً عليها إلى أن توفي سنة أربعين ومائتين، وقد اختاره لهذه المهمة الأمير محمد بن الأغلب، بعد أن قيل له: " ما يستحق أحد القضاء وسحنون حيّ"، وقد اعتذر سحنون في البداية عن هذا المنصب الكبير، الذي كان العلماء يتنافسون عليه.

وقال: " أصلح الله الأمير، لا أقوى عليه. أدلك على من هو أقوى مني، سليمان بن عمران"، لكن الأمير أبى، وظل يلح عليه، فوضع سحنون شروطاً عليه يحدثنا عنها فيقول:" لم أكن أرى قبول هذا الأمر، حتى كان من الأمير ضمينان: أحدهما أعطاني كل ما طلبت، وأطلق يدي في كل ما رغبت، حتى أني قلت له: أبدأ بأهل بيتك، وقرابتك، وأعوانك، فإن قِبَلَهم ظُلامات للناس، وأموال لهم، منذ زمان طويل. إذ لم يجترئ عليهم من كان قبلي، فقال لي: نعم لا تبدأ إلا بهم، وأجر الحق على مفرق رأسي".

لم يفرح سحنون بمنصبه الكبير، ولم يقبل التهاني، كما يفعل كثير من الناس في زماننا، بل أصابه الهم والغم، إذ قال لابنته: " لقد ذُبح أبوك اليوم من غير سكين". ولكي يظل عادلاً قوياً بعيداً عن تأثير السلطة الحاكمة، قرر سحنون ألا " يأخذ لنفسه رزقاً، ولا صلة من السلطان في قضائه كله"، وأن " يأخذ لأعوانه وكتَّابه وقضائه من جزية أهل الكتاب".

وأقام سحنون العدل في أفريقيا، " فحصل الناس بولايته على شريعة من الحق، ولم يل قضاء أفريقية مثله"، وكان شديداً على أهل الظلم والبدع والأهواء، و يضرب الخصوم إذا آذى بعضهم بعضاً بكلام أمامه، أو تعرضوا للشهود، ويقول: " إذا تُعرِّض للشهود كيف يشهدون؟! ويؤدب الخصوم، إن طعن على الشاهد بعيب، أو تجريح...

وكان إذا دخل عليه الشاهد، ورعب منه، أعرض عنه، حتى يستأنس، ويذهب روعه، فإن طال ذلك به هوَّن عليه، وقال له: ليس معي سوط ولا عصا، فلا عليك بأس، أدِّ ما علمت، ودع ما لم تعلم". لكنه اصطدم بالأمير مرات عدة، عندما تدخل لصالح بعض قادته ومقربيه، ورفض أوامره القاضية بإلغاء أحكام قررها سحنون عليهم، ولما أكثر من رد ظلامات رجال ابن الأغلب إلى أصحابها، وأبى أن يقبل منهم الوكلاء على الخصومة إلا بأنفسهم، شكوه إلى الأمير، فأرسل إليه ينهاه عن النظر في قضايا متعلقة بهم، حتى لا يصيبه شرهم، فقال سحنون للرسول: ليس هذا الذي بيني وبينه. قل له: خذلتني خذلك الله. فلما أنهى الرسول الرسالة إلى الأمير، قال له: ما نعمل به، إنما أراد الله.

وأرسل الأمير مرة إلى سحنون لرد حكم قرره في حق أحد قادته، فرفض سحنون طلبه، لكن الرسول رجع، وقال: يقول لك الأمير: "نفذ أمره، ولا تعبث"، فقام سحنون على قدميه، وقال: "إنما يعبث هو، والله الذي لا إله إلا هو، يعبث- كررها ثلاثاً- والله لا أفعل، حتى يفرق بين رأسي وجسدي".

ولما ثار القويع على محمد بن الأغلب، قال بعض القواد: اليوم نستمكن من سحنون، إما يخسر دينه، أو دنياه. فقالوا للأمير: سحنون داعية مطاع، فأمره بنصرك على هذا الخارجي. فبعث فيه الأمير، وأعلمه بالأمر واستشاره في قتاله، وطلب منه أن يحرض الناس على ذلك، فقال له سحنون: غشك من دلك على هذا، متى كانت القضاة تشاورها الملوك في صلاح سلطانها، ونهض من عنده.

وأراد الأمير أن يفرض على سحنون إلغاء حكم قضى به ضد أحد القادة، فأرسل إليه سحنون ابنه محمد ومعه كتاب توليته، وقال للأمير، يقول لك أبي: هذا سجلك، فولي قضاء المسلمين من تراه، فقال له الأمير: " اقرأ على أبيك السلام، وقل له: جزاك الله عن نفسك وعنا وعن المسلمين خيراً.

فقد أحسنت أولاً وآخراً، ونحن نرضي قائدنا من أموالنا. وامض على أحسن نظرك". فبلغ ذلك سحنون، واجتمع إليه وجوه الناس وأهل الخير، وشكروا فعله، فقال لهم: إن الله قد أحب الشكر من عباده، فتقدموا إلى باب الأمير واشكروه على تأييد الحق، ففي ذلك صلاح الخاصة والعامة، ففعلوا ذلك.

وقدم سحنون نصيحة غالية للعلماء في كل زمان ومكان، فقال: " ما أقبح بالعالم أن يُؤتى إلى مجلسه، فلا يوجد فيه، فيُسألُ عنه، فيقال:هو عند الأمير، هو عند الوزير، هو عند القاضي، فإن هذا وشبهه شرٌّ من علماء بني إسرائيل.

وبلغني أنهم يحدثونهم من الرخص ما يحبون، مما ليس عليه العمل، ويتركون ما عليه العمل، وفيه النجاة لهم، كراهة أن يشتغلوهم. ولعمري لو فعلوا ذلك لنجوا، ووجب أجرهم على الله، فوالله لقد ابتليت بهذا القضاء، وبهم. ووالله ما أكلت لهم لقمة، ولا شربت لهم شربة، ولا لبست لهم ثوباً، ولا ركبت لهم دابة، وما أخذت لهم صلة.

وإني لأدخل عليه، فأكلمهم بالتشديد، وما عليه العمل وفيه النجاة. ثم أخرج عنهم، فأحاسب نفسي، فأجد عليّ الدرك، مع ما ألقاهم به من الشدة والغلظة، وكثرة مخالفتي هواهم، ووعظي لهم. فوددت أن أنجو مما دخلت فيه كفافاً".

وتعرض سحنون – رحمه الله- في آخر حياته لأذى ابن الأغلب، لأنه كان يرفض القول بأن القرآن مخلوق، وكان دائماً يردد قول النبي صلى الله عليه وسلم:" إذا أحب الله عبداً سلط عليه من يؤذيه".

ما أحوجنا اليوم إلى علماء وقضاة، ينصحون ولاة الأمر، ويقضون بما يرضي ربهم، ولا يخافون في الله لومة لائم.

"أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده"

ملفات أخرى متعلفة