إقرأ المزيد <


هل في غزة مقاومة ؟ 1-2

منير شفيق
سبت ١٧ ٠٨ / ٢٠١٣
لا أدري كيف يمكن لعاقل أو منصف أن يطرح هذا السؤال الذي يشكك في وجود مقاومة في قطاع غزة، ولكن ثمة من يشكك وبصوت عال، وبدرجة عالية من الاطمئنان، مستنداً إلى ما يسود من هدنة أو تهدئة بين القطاع والكيان الصهيوني منذ اتفاق وقف إطلاق النار في حرب الثمانية أيام في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 حتى اليوم، وكان هذا هو موقفه مستنداً إلى الهدنة أو التهدئة التي سادت ما بين انتهاء العدوان على قطاع غزة في 2008/2009 وحرب الثمانية أيام 2012.

ثم تراه يزيد قائلاً إن إطلاق صاروخ من القطاع يؤدي إلى اعتقال مطلقه والتحقيق معه لأنه خرق للهدنة والتهدئة. ثم يضيف مقولة "منطقية" قبل القول: كيف تكون هناك هدنة وهناك مقاومة في آن معاً؟.

على أن كل هذا التشكيك، أو دليل الاعتقال، والمقولة المنطقية، أوْهن من خيوط العنكبوت أمام الواقع المقاوم في قطاع غزة وقد بلغ حدّ التحوّل إلى قاعدة عسكرية محرّرة ترتكز إلى استعداد دائم، وإعداد يواصل النهار بالليل في حفر الأنفاق، والتسلح، وتطوير الصواريخ محلياً. (وبالمناسبة حدث مثل هذا مع فتح بعد عدوان 1978 على جنوبي لبنان).

الذين يشككون في هذا الواقع يعاندون حربين كبيرتين في 2008/2009 و2012. وقد أسفرتا عن انتصارين كبيرين لقطاع غزة المقاوم عندما فشل جيش الكيان الصهيوني في اقتحامه وتجريده من السلاح وفي قتل المقاومين أو أسرهم، خصوصاً من حركتي حماس والجهاد.

وقد وصل الإحراج بالمشككين إلى القول إن جيش الكيان الصهيوني لم يرد احتلال القطاع أو أسر المقاومين ولم يسألوا أنفسهم لماذا لم يرد احتلال جنين أو نابلس أو رام الله أو أريحا وهو العدو نفسه في كل الحالات؟ وهي كلها من وجهة نظره الصهيونية "أرض إسرائيل". والمقاومون الفلسطينيون أينما وجدوا من وجهة نظره أعداء مكانهم السجن أو القبر.

ثم لم يقولوا لماذا شنّ حرب 2008/2009؟ ولماذا اغتال العشرات من قيادات المقاومة وكوادرها؟ ولماذا اغتال القائد العسكري الحمساوي الكبير أحمد الجعبري وألحقه بقصف عدد من المواقع اعتبرها مكامن للصواريخ في نوفمبر 2012، ثم كيف يفسرون ردّه العاجز عن الحرب التي شنتها المقاومة على مدى سبعة أيام بعد ذلك الاغتيال والقصف.

ولم يستطع أن ينتقم من الذين تجرؤوا على قصف تل أبيب والقدس. بل راح يطلب وقف إطلاق النار طوال الأيام السبعة من شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2012، واضطر إلى الخضوع للشروط التي أعلنها خالد مشعل ورمضان عبد الله شلح لوقف ما عُرِف بحرب الثمانية أيام.

على الذين يشككون هنا استناداً إلى الهدنة أو التهدئة أن يفرقوا بين ما تضمنه اتفاق أوسلو من تخلٍ عن المقاومة، أو ما أطلق عليه "شجب العنف"، وما تضمنته الهدنة والتهدئة من إعداد يومي للحرب القادمة، إن الهدنة أو التهدئة اللتين توقفان إطلاق النار، ولا توقفان استمرار التسلح وحفر الأنفاق والإعداد للحرب ليس لهما من مفهوم علمي عسكري وسياسي سوى أنهما حرب ومقاومة.

ولهذا ثمة مغالطة خطرة ومتجنية عندما توصف الهدنة أو التهدئة سواء أكان في قطاع غزة أم في جنوبي لبنان بأنهما تخلٍ عن المقاومة. ومن ثم اعتبار الوضع القائم كالوضع بعد اتفاق أوسلو، أو معاهدات السلام أو بروتوكولات التطبيع مع العدو.

بل إن هذه المغالطة تكبر عندما لا يُفرَّق بين مرحلة المقاومة المعروفة بموضوع "اضرب واهرب"، ومرحلة المقاومة عندما تصبح مواجهة في المواقع المحرّرة. لأن المقاومة في المرحلة الثانية أرقى من المقاومة في المرحلة الأولى، ولا يغيّر من هذه الحقيقة وقوع هدنة أو تهدئة.

هؤلاء المشككون لم يقرؤوا التاريخ بالنسبة إلى مراحل حكمتها هدنة أو تهدئة في ظل تسلح محموم وإعداد للحرب، وكيف انتهت إلى حرب أشدّ ضراوة من سابقتها وإلاّ كيف يفهمون المرحلة التي سادت في أوروبا ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية؟ وكيف يفهمون ما ساد من حرب باردة بين الاتحاد السوفياتي وأميركا. وقد كان دقيقاً، في الوصف، من سمّاها حرباً باردة، ما دامت حرب سباق تسلح وإعداد. فهي حرب بكل ما تعني الكلمة من معنى، وإن لم تطلق بها رصاصة واحدة، أو تقع عمليات عسكرية جزئية دائمة هنا وهناك.

إن الأمر كذلك تماماً بالنسبة إلى المقاومة في قطاع غزة وجنوبي لبنان ، إذ هي مقاومة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بل هي مرحلة أعلى كثيراً من مرحلة العمليات الصغيرة المحدودة وفق تكتيك "اضرب واهرب". وذلك بالرغم مما يسود السطح من هدنة أو تهدئة. وبالرغم من الحسم ضدّ كل من يخرّب عليها، لا لأنه مقاومة بل لأنه ضدّ المقاومة، ويريد أن يحرمها من فترة الهدنة والتهدئة التي تكون المقاومة في أمسّ الحاجة إليها لأجل استكمال تسلحها وإعداد مقاتليها وأنفاقها واستعداداتها للحرب القادمة حتى تأتي أفضل عسكرياً من سابقتها.

لقد تطوّر قطاع غزة عسكرياً إلى مستوى استراتيجي في مقاومة العدو الصهيوني، ليس خارج حدود فلسطين بل فوق أرض فلسطين. وهذا له مغزاه. وذلك حين يكون لدينا قطاع فلسطيني يستعصي على الجيش الصهيوني اقتحامهُ كما يفعل بالمدن والقرى الفلسطينية الأخرى.

ولهذا ليس من حق أحد التشكيك في هذه الحقيقة بسبب عداء لحماس، أو بسبب السعي لتعميم حالة سلطة رام الله وتصفية المقاومة في قطاع غزة. فهل هنالك من يشك في أن عودة محمود عباس إلى قطاع غزة تعني إنهاءً لحالة القطاع المقاوم بأعلى درجات التسلح والإعداد؟ ومن هنا ندرك أن الذين يشككون في المقاومة بقطاع غزة لا يفعلون ذلك لرفضهم حالة التهدئة أو الهدنة أو لأنهم يريدون فتح النار على العدو، وإنما ليأتي محمود عباس (ومحمد دحلان) إلى قطاع غزة لتصفية كل مقاومة وإعادة القطاع إلى سكة اتفاق أوسلو.

ملفات أخرى متعلفة